الشيخ عبد الغني النابلسي

20

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الناظرون بعقولهم في معرفة اللّه تعالى ( أصحاب الاعتقادات ) المختلفة يعتقد كل واحد منهم اعتقادا مخصوصا في اللّه تعالى أداه إليه نظر عقله واجتهاد فكره وهو فرح به مسرور يدعو إليه غيره لجزمه فيه أنه مطابق لنفس الأمر فيما الحق تعالى عليه وهم ( الذين يكفر بعضهم بعضا ) ، أي ينسب بعضهم بعضا إلى الكفر باللّه تعالى لتصويب اعتقادهم في اللّه تعالى أنه كذا ، والحكم على اعتقاد غيرهم فيه تعالى أنه خطأ غير موافق لنفس الأمر الذي عندهم ، مع أن الاعتقادات كلها مخلوقة فيهم باعترافهم بذلك وإجماعهم على أن الحق تعالى لا يشابه مخلوقاته أصلا . قال تعالى : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ [ الجاثية : 23 ] الآية ( ويلعن ) ، أي يدعو باللعن والطرد عن رحمة اللّه وعن القرب إليه سبحانه ( بعضهم بعضا وما لهم ) كلهم ( من ناصرين ) كما قال اللّه تعالى : ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ [ العنكبوت : 25 ] . ( فإن الإله المعتقد ) بصيغة اسم المفعول ، أي الإله الذي يعتقده الإنسان ويحصره بفهمه مع نفيه جميع ما يعتقده غيره من كل ما لا يكون مثل اعتقاده هو ( ما له حكم ) ، أي تأثير أصلا لأنه أثر صادر عن توهم معتقده وجهله بالإله الحق سبحانه ( في الإله المعتقد ) الذي يعتقده ( الآخر ) الذي يخالفه فلأجل هذا لا ينصر معتقده على من يكذب به من صاحب الإله المعتقد الآخر وبالعكس . ( فصاحب الاعتقاد يذب ) ، أي يحمي ( عنه أي عن الأمر الذي اعتقده في إلهه وينصره ) ، على من كذب به ( وذلك ) الإله ( الذي ) صوره ( في اعتقاده لا ينصره ) ، لأنه أثره الذي قد أثره بقدرة الإله الحق سبحانه ( فلهذا لا يكون له ) ، أي لذلك الذي في اعتقاده أثر ( في اعتقاد ) صاحب ذلك الإله الآخر ( المنازع له وكذلك المنازع ) بصيغة اسم المفعول الذي هو قد نازعه غيره بأن جحد عليه إلهه الذي اعتقده في نفسه ( ما له ) أيضا ( نصرة من إلهه الذي في اعتقاده ) لما ذكرنا من أنه أثر صادر عن نفسه فلا تأثير له في شيء أصلا ، ولهذا إذا دعاه لا يجيب دعاءه لأنه ليس هو الإله الحق تعالى واللّه تعالى يقول : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] فلو دعا اللّه تعالى لاستجاب له ( وما لهم ) ، أي لأصحاب آلهة الاعتقادات ( من ناصرين ) من آلهتهم التي اعتقدوها وعبدوها في نفوسهم . قال اللّه تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ [ محمد : 3 ] . وقال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) [ محمد : 11 ] . * * *