الشيخ عبد الغني النابلسي

194

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

دقيقة جدا لا يعلمها ذوقا وكشفا إلا أمثالنا من المحققين أصحاب الوراثة الكاملة والدائرة الكبرى الشاملة وإذا سمعها الأجنبي عن هذا المقام يتخيلها بعقله فيظن أنه عرفها فربما ينكرها الظهور عنده بخلاف ما هي عليه في نفسها عند صاحبها المتحقق بها . وذلك ، أي ما ههنا من تلك الدقيقة في كيفية أخذ ما يحكمون ، أي الخلفاء به بما هو شرع للرسول عليه السلام مقرر عنه . * * * فالخليفة عن الرّسول من يأخذ الحكم بالنّقل عنه صلى اللّه عليه وسلم أو بالاجتهاد الّذي أصله أيضا منقول عنه صلى اللّه عليه وسلم . وفينا من يأخذه عن اللّه بعين ذلك الحكم ، فتكون المادّة له من حيث كانت المادّة لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، فهو في الظّاهر متّبع لعدم مخالفته في الحكم كعيسى عليه السّلام إذا نزل فحكم ، وكالنّبيّ محمّد صلى اللّه عليه وسلم في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] . وهو في حقّ ما يعرفه من صورة الأخذ مختصّ موافق ، هو فيه بمنزلة ما قرّره النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم من شرع من تقدّم من الرّسل بكونه قرّره فاتبعناه من حيث تقريره لا من حيث إنّه شرع لغيره قبله . فالخليفة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم في تقديره للأمة وتفصيله لهم والحكم به هو كل من يأخذ الحكم الإلهي في قضيته بالنقل عنه ، أي عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم حيث ورد التصريح به في كتاب أو سنة أو اجتمعت عليه الأمة أو يأخذه بالاجتهاد وهو الاستنباط بالفهم والمقايسة مما ورد في الكتاب والسنة أو الإجماع الذي أصله ، أي الاجتهاد أيضا ، أي مثل الكتاب والسنة أو الإجماع منقول ، أي الإذن فيه والإجازة له عنه صلى اللّه عليه وسلم قال تعالى : لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ [ النساء : 83 ] . وقال عليه السلام : « من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر » « 1 » ولما أرسل النبي صلى اللّه عليه وسلم معاذا إلى بلاد اليمن قال له : « بماذا تحكم يا معاذ فقال : أحكم بكتاب اللّه تعالى ، قال : فإن لم تجد ، قال : فسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد قال : أرى رأيي وأحكم فقال : اللهم وفق رسول رسولك » « 2 » وفينا ( ) - ، أي

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه أبو داود في سننه ، باب اجتهاد الرأي في القضاء ، حديث رقم ( 3592 ) [ 3 / 303 ] ورواه الترمذي في سننه ، باب ما جاء في القاضي . . ، حديث رقم ( 1327 ) [ 3 / 616 ] ورواه غيرهما ونصه