الشيخ عبد الغني النابلسي
183
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
العلم باللّه من علم الشريعة والأحكام ؛ ولهذا قال : ماذا عمل به والعلم باللّه لا عمل فيه بالنفس بل لا عمل أصلا بل هو شكر كما قال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] . وقال النبي عليه السلام « أفلا أكون عبدا شكورا » « 1 » والشكر رؤية العلم الحقيقي لا النعمة ، فصاحب العلم باللّه ناظر إلى اللّه لا إلى نعمته فهو الشاكر ، والعمل الصالح من أكبر النعم على العبد . فإن أمره ، أي اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم بطلب الزيادة من العلم باللّه عين أمره تعالى بذلك لأمته ، إلا فيما اختص به صلى اللّه عليه وسلم ولا بد من بيان الخصوصية ، ولا بيان هنا فلا خصوصية ، والأصل عدمها كما ذكروا فإن اللّه تعالى يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ يا معشر المؤمنين فِي رَسُولِ اللَّهِ إليكم محمد صلى اللّه عليه وسلم أُسْوَةٌ ، أي قدوة ومتابعة حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، أي يحسن منكم فعلها والإتيان بها على كل حال وأي أسوة ، أي قدوة ومتابعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم من هذا التأسي ، أي الاقتداء والاتباع في طلب زيادة العلم باللّه لمن عقل ، أي فهم جميع ما يفهمه عن اللّه تعالى من العارفين المحققين ، فإنهم أحق من غيرهم في ذلك . ولو نبهنا في هذا الكتاب على المقام السليماني ، أي المنسوب إلى سليمان عليه السلام على تمامه ، أي ذلك المقام بتفاصيله لرأيت من ذلك أمرا يهولك ، أي يفزعك ويخيفك الاطلاع عليه كما قال اللّه تعالى في حق أصحاب الكهف : لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [ الكهف : 18 ] فإن أكثر علماء هذه الطريقة الإلهية من العارفين جهلوا حالة سليمان عليه السلام ، أي مقامه على التمام ومكانته ، أي مرتبته في العلم باللّه والتحقق به وليس الأمر ، أي أمر سليمان عليه السلام يعني شأنه ورتبته كما زعموا ، أي أكثر علماء هذه الطريقة لقصورهم عن معرفة كمال مقامه الشريف النبوي فلا يعرف حقه .
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، في أبواب عدة منها : باب قيام النبي صلى اللّه عليه وسلم . . ، حديث رقم ( 1078 ) [ 1 / 380 ] ورواه في صحيحه ، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة ، حديث رقم ( 2819 ) [ 2171 ] ورواه غيرهما .