الشيخ عبد الغني النابلسي

18

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( فمن قد عمه ) ، أي الحق تعالى بأن قال بعموم ظهوره في كل شيء ( خصه ) ، أي كان ذلك القول تخصيصا له بما يعلم ذلك القائل من كل شيء ، والحق تعالى أعم من ذلك التعميم المذكور بحيث يعود تعميمه تخصيصا من السعة التي لا نهاية لها ( ومن قد خصه ) ، أي خص الحق تعالى باعتقاد اعتقده فيه ونفى عنه ما عدا ذلك الاعتقاد فإنه قد ( عمه ) ، أي عم الحق تعالى بذلك التخصيص من جهة أن اعتقاده الذي خصص الحق تعالى به دون كل ما عداه من الاعتقادات ، هو اعتقاد من جملة الاعتقادات كلها ، مساو لها عند دعواه أيضا بأنه تعالى لا يشابه شيئا من الحوادث ، وذلك الاعتقاد الذي خصه به حادث مثل بقية الاعتقادات ، والكل مخلوق ، وقد قال تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] ، وقال تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الرعد : 16 ] ، فمساواة اعتقاده الذي خص الحق تعالى به لجميع الاعتقادات كلها بل لجميع الصور المحسوسات والمعقولات أمر لازم لذلك التخصيص ، فيلزم من ذلك التخصيص التعميم سواء شعر صاحبه أو لم يشعر . ( فما عين ) من جميع الأعيان المحسوسة والمعقولة أو الموهومة موجودة أصلا ( سوى ) ، أي غير ( عين ) واحدة فقط ، ولكنها ظاهرة في جميع صور الأعيان الكثيرة المذكورة ، ثم بين تلك العين الواحدة حيث قال ( فنور ) ، أي فهي نور من قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] ، وذلك من حيث البطون ، وأما من حيث الظهور فإن ( عينه ) ، أي عين ذلك النور يعني ما يعاين منه ( ظلمة ) ، لأن عينه هي الصورة الممكنة العدمية الكثيرة في الحس وفي العقل ، وفي الوهم والخيال في الدنيا وفي الآخرة . ( فمن ) ، أي فالإنسان الذي ( يغفل عن ) استحضار ( هذا ) المشهد المذكور ( يجد في نفسه غمة ) ، أي حزنا شديدا وهمّا مديدا لتعلّق خواطره بالأغيار وافتتان بصيرته بفتن هذه الدار ، فتراه يبغض هذا ويحقد على هذا ويحسد هذا ويداهن هذا ويراعي هذا ويخون هذا ويكذب على هذا ويحتقر هذا ويخاف من هذا ، إلى غير ذلك من أحوال الغافلين وظلمات المحجوبين الجاهلين ، واللّه تعالى بصير به في جميع ذلك ومطلع عليه من حيث لا يشعر في كل ما هنالك . قال سبحانه : أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ( 80 ) [ الزخرف : 80 ] . ( ولا يعرف ما قلنا هنا ) من هذه الأسرار وشواهد هذه الأنوار ( سوى ) ، أي غير ( عبد ) من عباد اللّه تعالى المخلصين العارفين به سبحانه ( له همة ) عالية لا ترضى بخسيس الأحوال وأسافل من لذات الدنيا السريعة الزوال ، ولا تنطق إلا بمعالي