الشيخ عبد الغني النابلسي
177
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
حوائجكم ومصالحكم الدينية والدنيوية منه ، أي تسخيرا كائنا منه لا منكم ، أي عن أمره تعالى لا عن أمركم . وقد ذكر تعالى أيضا تسخير الرياح لنا والنجوم وغير ذلك ولكن لا من أمرنا نحن بل عن أمر اللّه تعالى . قال تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ [ الأعراف : 54 ] ، وقال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ( 33 ) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [ إبراهيم : 32 - 34 ] ، وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) [ النحل : 14 ] ، وقال : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ [ النحل : 79 ] . وقال تعالى : أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [ الحج : 65 ] ، وقال تعالى : وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 ] ، فما اختص سليمان عليه السلام إن عقلت يا أيها السالك إلا بالأمر أن يكون ذلك التسخير عن أمره وهو في مقام الفرق النفساني الموجب للقيام باللّه في جميع الأحوال من غير احتياج إي جمعية روحانية ولا همة أمرية إلهية بل بمجرد الأمر النفساني نظير تسخير الأعضاء الإنسانية السالمة من الزمانة لكل إنسان فيحركها عن أمر نفسه في كل ما يريد وما افترق إلا بعدم الحساب فإنه تعالى قال : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [ الإسراء : 13 - 14 ] ، فإن الحساب على كل إنسان في كل أمر نفساني إلا سليمان عليه السلام فقد قال تعالى في حقه : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) [ ص : 39 ] ، فهو الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده . وإنما قلنا ذلك ، أي من غير جمعية ولا همة لأنا معشر المحققين نعرف أن أجرام العالم ، أي المخلوقات تنفعل ، أي تتأثر لهمم جمع همة النفوس الفاضلة الكاملة إذا أقيمت ، أي تلك النفوس بأن أقامها الحق تعالى في مقام الجمعية به تعالى على وجه الاحتضار لأمره القديم القيوم على كل شيء وقد عاينا نحن ذلك الانفعال في هذا الطريق المستقيم طريق السعداء العارفين فكان من جهة سليمان عليه السلام مجرد تلفظه بلسانه بالأمر لمن أراد تسخيره من غير همة قلبية ولا جمعية روحانية . * * *