الشيخ عبد الغني النابلسي

143

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وقد ورد في الحديث أن الحق تعالى إذا أحب صوت عبده في دعائه إياه سواء كان صوت قلب أو لسان ، فإن للقلب كلاما كما وللسان كلاما أخر تعالى الإجابة عنه لدعائه حتى يتكرر ذلك ، أي الدعاء منه ، أي من ذلك العبد حبا ، أي محبة منه تعالى فيه ، أي في ذلك العبد لا إعراضا منه تعالى عنه ، أي عن ذلك العبد الداعي ولذلك جاء ، أي عيسى عليه السلام في كلامه بالاسم الحكيم فقال : إنك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . والحكيم معناه هو الذي يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها والمناسبة لها ولا يعدل بها ، أي بالأشياء عما تقتضيه وتطلبه حقائقها ، أي حقائق تلك الأشياء بصفاتها ، أي بسبب ما اتصف به من الأحوال المختلفة فالحكيم هو في المعنى العليم ، أي الذي يعلم جميع الأشياء بالترتيب المتقن الذي هو على أبلغ الوجوه طبق ما هي عليه الأشياء في حال ثبوتها في العلم القديم ، وهي معدومة بالعدم الأصلي وكان ، أي النبي صلى اللّه عليه وسلم بترداده ، أي تكراره هذه الآية المذكورة على علم عظيم من اللّه تعالى ، فإنه أعلم الخلق باللّه تعالى على الإطلاق فمن تلا ، أي قرأ هذه الآية المذكورة فهكذا ، أي على هذا الوصف المذكور من التنبيه للمعاني الإلهية والمناجاة مع الحق تعالى بالأسرار الخفية والجلية يتلو ، أي يقرأ هذه الآية وإلا ، أي وإن لم يتلها هكذا بأن تلاها بفغلة قلب وجهل بالأمور الإلهية وتحريف للأسرار واستصغار للمعاني الكبار فالسكوت وترك التلاوة أولى به حينئذ كما قال تعالى : * أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) [ البقرة : 44 ] . وورد في الخبر : « رب قارىء للقرآن والقرآن يلعنه » « 1 » وإذا وفق اللّه تعالى العبد إلى نطق ، أي تكلم ودعاه بأمر ما ، أي أمر من الأمور فما وفقه ، أي اللّه تعالى إليه ، أي إلى النطق بذلك الأمر إلا وقد أراد إجابته فيه ، أي في ذلك الأمر الذي دعاه به . وأراد قضاء حاجته ، فيما طلب منه تعالى فلا يستبطىء أحد من الناس ما يتضمنه ما ، أي الذي وفق ، أي وفقه اللّه تعالى له من الدعاء فإن قضاء الحاجات له أوقات ، وقد ورد : « يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول : دعوت فلم يستجب لي » « 2 » ولعل قوله : ذلك مبطل للدعاء ، فمانع من الإجابة ،

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل ، حديث رقم ( 5981 ) [ 5 / 2335 ] ورواه مسلم في صحيحه ، باب بيان أنه يستجاب للداعي . . ، حديث رقم ( 2735 ) [ 4 / 2095 ] ورواه غيرهما .