الشيخ عبد الغني النابلسي

140

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

إهانتهم بما يذيقهم من الألم بالنار وغيرها ولا أذل ، أي أكثر ذلا ومهانة وحقارة منهم ، أي من العبيد لكونهم عبادا ، أي ذليلون حقيرون من العبادة وهي نهاية الذل وغاية المهانة في طاعة الرب والمولى عز وجل فذواتهم تقتضي أنهم أذلاء ، أي ذليلون حقيرون مهانون بسبب ظهور عبوديتهم لك عند من يعترف بها وإن لم يشعروا بها هم لانطماس قلوبهم بالكفر فلا تذلهم أكثر مما هم فيه من الذل والحقارة فإنك لا تذلهم بأدون ، أي بذل يجعلهم أدون وأقل مما هم فيه من الذل الذي هو مقتضى كونهم عبيدا ، أي متصفين بالعبودية التي هي كمال الذلة بحيث لا يمكن أذل منها لكنهم لا يشعرون بذلك من نفوسهم لانطماسهم بالكفر وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ أي تسترهم ، يعني تغطيهم برداء حكمك الواسع عن إيقاع العذاب المؤلم الموجع بهم الذين يستحقونه منك بمخالفتهم لأمرك وعدم امتثالهم لطاعتك ومعنى تغفر لهم أي تجعل لهم غفرا ، أي سترا وغطاء ، ومنه المغفر لما يجعل على الرأس من درع الحديد ليسترهم عن ذلك ، أي عن إيقاع العذاب ويمنعهم ، أي يحميهم ويحفظهم ويحرسهم ويوقيهم منه ، أي من إيقاع العذاب بهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ، أي المنيع ، أي الممنوع المحفوظ الحمى ، أي الجناب . * * * وهذا الاسم إذا أعطاه الحقّ لمن أعطاه من عباده يسمّى الحقّ بالمعزّ ، والمعطى له هذا الاسم بالعزيز . فيكون منيع الحمى عمّا يريد به المنتقم والمعذّب من الانتقام والعذاب . وجاء بالفصل والعماد أيضا تأكيدا للبيان ولتكون الآية على مساق واحد في قوله : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 116 ] وقوله : كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] فجاء أيضا : فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ المائدة : 118 ] . فكان سؤالا من النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وإلحاحا منه على ربّه في المسألة ليلته الكاملة إلى طلوع الفجر يرددها طلبا للإجابة فلو سمع الإجابة في أوّل سؤال ما كرّر . فكان الحقّ يعرض عليه فصول ما استوجبوا به العذاب عرضا مفصّلا فيقول له في كلّ عرض عرض وعين عين إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) [ المائدة : 118 ] . وهذا الاسم الذي هو اسم اللّه العزيز إذا أعطاه الحق تعالى لمن أعطاه من