الشيخ عبد الغني النابلسي
134
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
مقابلة ذلك إنظار الحق تعالى له إلى يوم الوقت المعلوم ، فإن ذلك بعض ما دعاه به ، إذ ليس مراده مجرد الإنظار وطول العمر بل مراده الأهم ومقصده الألزم إقداره على إغواء كل بني آدم ، وإضلال غير المخلصين منهم ، ولم يعطه اللّه تعالى ما دعاه به كله بل بعضه في مقابلة أنه ما أعطى الحق تعالى ما أمره به كله بل بعضه من حيث لا يشعر . وهكذا عادة اللّه تعالى جارية في جميع خلقه لمن دقق النظر وأعمل الفكر وإن تأخر ذلك الدعاء إلى وقت آخر في الدنيا أو الآخرة ، فاستجابه اللّه تعالى له في الوقت الذي يريده تعالى لحكمة يعلمها سبحانه كما يتأخر بعض المكلفين عن سرعة الإجابة ممن أقيم مخاطبا اسم مفعول بإقامة الصلاة فلا يصلي تلك الصلاة في وقت وجب عليه فعلها فيه فيؤخر الامتثال للأمر ويصلي في وقت آخر إن كان متمكنا ، أي المخاطب بالصلاة من ذلك الامتثال بأن كان قادرا عليه فلا بد من الإجابة من العبد القادر ولو كان بالقصد للإجابة ونية الامتثال في وقت عجزه ومن الرب سبحانه ولو بالقصد للإجابة في الوقت الذي يريد وكتابته في اللوح وإعلام الملائكة به . * * * ثمّ قال : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ ولم يقل على نفسي معهم كما قال ربّي وربّكم شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ لأنّ الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم . فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي رفعتني إليك وحجبتهم عنّي وحجبتني عنهم كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ في غير مادتي ، بل في موادّهم . إذ كنت بصرهم الّذي يقتضي المراقبة . فشهود الإنسان نفسه شهود الحقّ إيّاه . وجعله بالاسم الرّقيب لأنّه جعل الشّهود له . فأراد أن يفصّل بينه وبين ربّه حتّى يعلم أنّه هو لكونه عبدا في الواقع وأنّ الحقّ هو الحقّ لكونه ربّا له ، فجاء لنفسه بأنّه شهيد ، وفي الحقّ بأنّه رقيب . وقدّمهم في حقّ نفسه فقال : عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ إيثار لهم في التّقدّم وأدبا ، وأخّرهم في جانب الحقّ عن الحقّ في قوله : الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ لما يستحقّه الرّبّ من التّقدّم بالرّتبة . ثم قال ، أي عيسى عليه السلام وكنت عليهم ، أي على الناس الذين كانوا في زمانه ، ولم يقل أيضا على نفسي معهم كما قال اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ