الشيخ عبد الغني النابلسي
112
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
السلام في مريم عليها السلام ، فإن نفخه ذلك كان باللّه تعالى ، بل هو نفخ تعالى بجبريل عليه السلام ، وكذلك عيسى عليه السلام لما أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ونفخ في الطير كان ذلك منه باللّه تعالى ، بل من اللّه تعالى به ، وأبو يزيد رضي اللّه عنه ذاق ذلك في نفسه وتحقق به فكان عيسوي المشهد ، أي يشهد من الحق تعالى ما يشهد عيسى عليه السلام وهذا في الإحياء الحسي . وأما الإحياء المعنوي بالعلم باللّه تعالى للموتى بالجهل به كالكافرين والمشركين والمغرورين والغافلين فتلك هي الحياة الإلهية ، أي المنسوبة إلى الإله تعالى الذاتية ، أي التي لا تفارق من اتصف بها ، لأنها كمال له باعتبار ذاته لا عرضية مفارقة له كالحياة الحسية العلية ، لأنها حياة الحق تعالى ، والحياة الحسية التي هي بسريان الروح الأمري في الجسم مستحيلة على الحق تعالى ، لأنها حياة سفلية طبيعية النورية ، لأنها بالنور الذي هو العلم الإلهي ، والحياة الحسية ظلمانية ، لأنها بالغير والغير ظلمة ، وإن كان لا حياة في نفس الأمر إلا بالعلم الإلهي والحياة بالروح كذلك ، لأنها إذا لم يصحبها العلم باللّه عن ذوق وكشف كانت مجرد حركات طبيعية وإدراكات وهمية في أجسام حيوانية وعقول شيطانية في نفوس شهوانية ، فهي موت لا حياة وإن عدها صاحبها حياة لعدم ذوقه الحياة كما قال تعالى وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] ؛ ولهذا كان شرط وجود الحياة العلمية الحقيقية الموت من تلك الحياة الطبيعية الوهمية النفسانية فقال عليه السلام : « موتوا قبل أن تموتوا » « 1 » ، أي موتوا اختيارا قبل أن تموتوا اضطرارا التي قال اللّه تعالى فيها ، أي في تلك الحياة المذكورة أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً [ الأنعام : 122 ] ، يعني بالجهل باللّه تعالى وهو الموت الحقيقي فَأَحْيَيْناهُ بالحياة العلمية النورانية الحقيقية المذكورة وجعلنا له نورا [ الأنعام : 122 ] وهو الروح العلمي الذي نفخه فيه فأحياه بالحياة المذكورة يَمْشِي بِهِ [ الأنعام : 122 ] ، أي بذلك النور وهو قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] . وفي الحديث : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » « 2 » في الناس ، أي بين أمثاله فيعرفهم ولا يعرفونه ويؤمن بهم ويجحدونه ، بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ولو جعل اللّه تعالى
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه . ( 2 ) رواه الترمذي في سننه ، باب ومن سورة الحجر ، حديث رقم ( 3127 ) [ 5 / 298 ] ورواه الطبراني في الكبير برقم ( 7497 ) [ 8 / 102 ] وفي الأوسط برقم ( 3254 ) [ 3 / 312 ] وبرقم ( 7843 ) [ 8 / 23 ] ، ورواه غيرهما .