الشيخ عبد الغني النابلسي
105
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
نفخ منها فما هو النفخ من حدها الذاتي بحيث يكون داخلا في ماهيتها بل هو أمر آخر عرض لها بسبب حلول حقيقة أخرى فيها ، وذلك النفخ ظاهر عن تلك الحقيقة الأخرى وهكذا قولهم في عيسى عليه السلام وهو خطأ وكفر . * * * فوقع الخلاف بين أهل الملل في عيسى ما هو ؟ فمن ناظر فيه من حيث صورته الإنسانيّة البشريّة فيقول هو ابن مريم ومن ناظر فيه من حيث الصّورة الممثّلة البشريّة فينسبه لجبرئيل عليه السّلام ؛ ومن ناظر فيه من حيث ما ظهر عنه من إحياء الموتى فينسبه إلى اللّه بالرّوحيّة فيقول روح اللّه ، أي به ظهرت الحياة فيمن نفخ فيه . فتارة يكون الحقّ فيه متوهّما - اسم مفعول - وتارة يكون الملك فيه متوهّما ، وتارة تكون البشريّة الإنسانيّة فيه متوهّمة : فيكون عند كلّ ناظر بحسب ما يغلب عليه ، فهو كلمة اللّه وهو روح اللّه وهو عبد اللّه . فوقع الخلاف بين أهل الملل ، أي الأديان من المسلمين والكافرين في عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى ما هو في نفس الأمر فمن ناظر فيه عليه السلام من حيث صورته الإنسانية البشرية فيقول عنه إنه هو ابن مريم وهو عبد اللّه ورسوله ، وإحياء الموتى كان من اللّه تعالى المتجلي بصورته ، لأنه قيوم عليه ممسك بقدرته كالذي يمسك السكين مثلا بيده ويقطع بها فالقاطع هو الممسك لا السكين ، ولهذا يرجع إليه المدح والذم ويلحقه الثواب والإثم فيما فعل ، والسكين صورة ظهر منها فعل ممسكها لا هي القاطعة ، وإذا قيل عنها أنها القاطعة كان هذا وصفها باعتبار اليد الممسكة لها لا باعتبارها هي في نفسها ، ولا حلول لليد فيها ولا اتحاد لها ، وإنما هي حقيقة واليد حقيقة أخرى ، وهكذا جميع الأسباب عند المهتدين ، وللّه المثل الأعلى في السماوات والأرض ، وأهل هذا القول هم المسلمون المحمديون ، فإذا أحيا اللّه تعالى الموتى بصورة عيسى عليه السلام لا يلزم أن يكون اللّه تعالى هو عيسى عليه السلام ، كما أن الكاتب إذا كتب بالقلم مثلا لا يلزم أن يكون الكاتب هو القلم ، وإذا اعتبر القلم لا مدخل له بالكلية في الكتابة ، وإنما الكتابة فعل ، والكاتب وحده يصح أن يقال حينئذ إن الكاتب هو القلم بعد فناء القلم واضمحلاله في وجود الكاتب حيث لا تأثير له البتة . وفي عيسى عليه السلام كذلك إذا لم يعتبر فيه وجوده المستفاد من القيوم عليه واضمحلت رسوم الأنانية في حقيقته يصح فيه ذلك قولهم عنه بعد ذلك إنه ابن مريم واعتبار وجود صورته الناسوتية يأبى ذلك ومن ناظر فيه ، أي عيسى عليه السلام