الشيخ عبد الغني النابلسي

103

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ما صدر منهم من القول المذكور نسبوا في شرعنا المحمدي إلى الكفر كما يأتي . وهو ، أي الكفر معناه الستر لأنهم ، أي القائلين بذلك ستروا اللّه تعالى الذي أحيا الموتى وهو متجل عند الناظرين بصورة بشرية عيسى عليه السلام كما هو متجل بصورة روحانية عنده فقال اللّه تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [ المائدة : 17 ] وهم النصارى قالوا ذلك من جهلهم بما الأمر عليه في نفسه فجمعوا بين الخطأ بترك ما هو الصواب والكفر في الدين في تمام الكلام الذي قالوه كله وهو قولهم : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لا جمعوا بين الخطأ والكفر بقولهم : هُوَ ، أي عيسى عليه السلام اللَّهَ من حيث إنه تعالى متجل بالصورة العيسوية بسبب أنه قيوم عليها إلا أنها مخلوقة له لا بالحلول ولا الاتحاد ولا الانحلال ، واللّه تعالى يتجلى في أي صورة شاء في الدنيا والآخرة من غير أن يتغير عن إطلاقه الحقيقي وتنزيهه الذاتي عن مشابهة كل شيء لما ظهر لموسى عليه السلام في صورة النار والشجر ، فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [ طه : 11 - 12 ] . وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ربي في أحسن صورة » « 1 » « ويتحوّل يوم القيامة في الصور لأهل المحشر » « 2 » كما ورد في حديث مسلم ولا بقولهم أيضا هُوَ عيسى عليه السلام ابْنُ مَرْيَمَ ، لأنه ابن مريم من غير شبهة . * * * فعدلوا بالتّضمين من اللّه من حيث أحيا الموتى إلى الصّورة النّاسوتيّة البشريّة بقولهم ابن مريم وهو ابن مريم بلا شكّ . فتخيّل السّامع أنّهم نسبوا الألوهيّة للصّورة وجعلوها عين الصّورة وما فعلوا بل جعلوا الهويّة الإلهيّة ابتداء في صورة بشريّة هي ابن مريم ، ففصلوا بين الصّورة والحكم . لا أنّهم جعلوا الصّورة عين الحكم . كما كان جبرئيل في صورة البشر ولا نفخ ، ثمّ نفخ ، ففصل بين الصّورة

--> ( 1 ) رواه الدارمي في السنن ، باب في رؤية الرب تعالى . . ، حديث رقم ( 2149 ) [ 2 / 170 ] والطبراني في المعجم الكبير عن أبي رافع برقم ( 938 [ 1 / 317 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .