الشيخ عبد الغني النابلسي
9
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
تلك الأسرار وبحوثه عن وسائلها الضرورية تقف عند حد ، لأنه أيقن منذ نعومة أظفاره بأنه مؤمن بمبادىء عقيدة حقيقة أزلية مرت بجميع الأزمان الكونية ، وطافت بكل الأجناس البشرية متممة ما فيها من نقص وقصور ، وأنها جمعت كل الروحانيات في الوحدة الفطرية التي تتمثل من حين إلى آخر في صور تنسكية رفيعة تبدو على مسرح الإنسانية ردحا من الزمن ثم تختفي ، ولا يدرك حقيقتها إلا القليلون . وأكثر من ذلك أنه حين كان لا يزال في قرطبة قد تكشف له من أقطاب العصور البائدة عدد من حكماء فارس والإغريق كفيثاغورس ، وأمبيذوقليس ، وأفلاطون ومن إليهم ممن ألقيت على كواهلهم مسؤولية القطبية الروحية في عصورهم المتعاقبة قبل ظهور الإسلام . وهذا هو السبب في أنه قد شغف بأن يطلع على جميع الدرجات التنسكية في كل الأديان والمذاهب عن طريق أرواح رجالها الحقيقيين بهيئة مباشرة ، وبصورة مؤسسة على الشرف العلمي الذي يحمل الباحث النزيه على الاعتماد عليه دون أدنى تردد أو ارتياب . غير أن هذه السكينة الروحانية التي بدأت لدى هذا الشاب مبكرة والتي كانت ثمارها فيما بعد تتمثل في تلك المعرفة التي أشرنا إليها آنفا ، لم تدم طويلا على حالة واحدة ، إذ أنه لم يلبث أن تبين أول الأمر بالإلهام ، ثم عن طريق الكشف الجلي أنه لم يعد له بدّ - في تلك البيئة المغربية إذ ذاك - من أحد أمرين : إما أن يجاري التيار العام الذي كان يحدق به إحداق السوار بالمعصم ، وهو أن يتقيد في جميع أفكاره وتعقلاته وأحاسيسه ومشاعره وحركاته وسكناته بحرفية الدين التي لا روح فيها ولا حياة ولا سرّ ولا رمز ولا تأويل ، وبهذا تختفي شخصيته الحقيقية وتفشل رسالته الطبيعية ، وهذا شيء لا يستطيعه بأي حال ، وإما أن يسير على فطرته وحسب تكوين عقله وقلبه فيصطدم في كل خطوة من خطواته من أهل الحل والعقد في البلاد . وقد حدث ذلك فعلا حيث احتدمت بينه وبين بعض الأمراء الموحدين مجادلات عنيفة ، وحيكت حوله دسائس قوية اتهمته بإحداث اضطراب في سياسة الدولة . وإذ ذاك رأى في حالة اليقظة أنه أمام العرش الإلهي المحمول على أعمدة من لهب متفجر ، ورأى طائرا بديع الصنع يحلق حول العرش ويصدر إليه الأمر بأن يرتحل إلى الشرق وينبئه بأنه سيكون هو مرشده السماوي ، وبأن رفيقا من البشر يدعى فلانا ينتظره في مدينة فاس ، وأن هذا الأخير قد أمر هو أيضا بهذه الرحلة إلى الشرق ، ولكنه يجب ألا يرتحل قبل أن يجيء إليه رفيق من الأندلس ، فيفعل ما أمر به ويرتحل بصحبة هذا الرفيق .