الشيخ عبد الغني النابلسي

86

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

صورته في كل اسم وصفة له تعالى مطلقا ما عدا الوجوب الذاتي الخاص ، فإن هذه الأوصاف إذا نسبت إلى هذا الطالب من حيث هو طالب بقي المطلوب معدوما ، إذ هو عين ذات الطالب وقد كان طالبا ، واشتغل بالطالبية باعتبار اتصافه بالأوصاف المذكورة ، فلا مطلوب حينئذ ، فإذا وجد باعتبار اتصافه بالأوصاف مشتقة من أوصاف الطالب المذكورة انقسمت الذات إلى طالب ومطلوب كما ذكرنا ، وانقسمت الأوصاف أيضا كذلك إلى أوصاف الطالب الأصلية وأوصاف المطلوب الفرعية ، بقي الطالب واجب الوجود لذاته والمطلوب واجب الوجود لغيره ، وذلك الغير هو الطالب فافترقا من هذا الوجه فقط واشتركا في جميع الأوصاف المذكورة ما عدا هذا الوجه فقط . وكانت أوصاف الطالب قديمة وأوصاف المطلوب حادثة ، ولا شك أن صورة الشيء هي مجموع أوصافه وأسمائه فقط إلا ذاته ، فلهذا كان المطلوب على صورة الطالب ، والطالب هو الحق تعالى والمطلوب هو الإنسان الحادث والظاهر الطالب هو الإنسان الحادث ، لأنه المطلوب ، والباطن عن المطلوب هو الحق تعالى ، لأنه الطالب له ، واللّه أعلم وأحكم . ( ثم لنعلم أنه لما كان الأمر على ما قلناه من ظهوره ) ، أي ظهور واجب الوجود لذاته الذي هو الحق تعالى لنا ( بصورته ) التي هي مجموع صفاته وأسمائه كما ذكرنا لا بذاته العارية عن جميع ذلك من حيث الغيب المطلق ، فإن الظهور لا يكون إلا باسمه الظاهر كما أن البطون باسمه الباطن وذاته من حيث هي غنية عن الظهور والبطون لأنهما من الأوصاف والأسماء هي الحضرة البرزخية الفارقة بين الطالب والمطلوب كما ذكرنا ، ثم إن صورته تعالى المذكورة التي ظهر بها من حيث حضرة الطالب ظهرت له أيضا من حيث حضرة المطلوب ، فكانت هي هذا الإنسان الحادث كما مر ، فكان الإنسان الحادث على صورة الحق تعالى من أنه هو المطلوب ، والمطلوب على صورة الطالب ، لأنه هو الطالب والذات واحدة ، لكنها لما اقتضت حضورها عندها انقسمت إلى طالب ومطلوب كما بيناه فيما مر . ( أحالنا ) الحق ( تعالى في العلم به على النظر في ) هذا الإنسان ( الحادث ) الكبير الذي هو مجموع العالم كله حيث قال تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] ، وقال : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ من شيء [ النحل : 48 ] الآية . وفي هذا الإنسان الحادث الصغير الذي هو ابن آدم قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 21 ) [ الذاريات : 21 ] . ( وذكر ) تعالى في القرآن العظيم ( أنه أرانا آياته ) ، أي علاماته المظهرة له ( فيه ) ، أي في هذا الإنسان الكبير والصغير حيث قال تعالى :