الشيخ عبد الغني النابلسي
77
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الموجودات كما هي الباطنة من حيث معقوليّتها . فاستناد كلّ موجود عينيّ لهذه الأمور الكلّيّة التي لا يمكن رفعها عن العقل ، ولا يمكن وجودها في العين وجودا تزول به عن أن تكون معقولة . وسواء كان ذلك الموجود العينيّ موقتا أو غير موقت إذ نسبة الموقت وغير الموقت إلى هذا الأمر الكلّي المعقول نسبة واحدة . ( ثم نرجع إلى الحكمة ) الإلهية في الكلمة الآدمية ( فنقول ) في بيان ذلك ( اعلم ) أوّلا أيها الطالب للتحقيق والسالك في مسالك أهل العناية والتوفيق ( أن الأمور الكلية ) لهذه الأشخاص الجزئية المحسوسة لنا والمعقولة كالألوان والصور الجسمانية في البصر إذا تشخص الإنسان شيئا من ذلك في الخارج ، والأصوات على اختلافها في السمع إذا تشخص شيئا منها بعينه ، وهكذا سائر المحسوسات ومثلها المعقولات ، فإن كل شخص من ذلك جزئي مشهود بحاسة من الحواس أو بالعقل له أمر كلي كان ينطبق عليه وعلى كل جزئي مثله ، فجميع الجزئيات الموجودات من ذلك متشخصات في الخارج بالوجود العيني لا شبهة في ذلك . وأما كلياتها المنطبقة عليها كاللون الأبيض مثلا العام الكلي والصورة الفلانية العامة الكلية ونحو ذلك فإنها ( وإن لم يكن لها الوجود ) في الخارج ( في عينها ) ، أي ذاتها الوجود العيني ( فهي معقولة ) ، أي موجودة بالوجود الذهني ( معلومة ) متحققة ( بلا شك في الذهن ) لكن علمها في الذهن وتعلقها إنما هو في ضمن تعقل جزئي من جزئياتها على وجه عام ، وهذا معنى وجودها في الذهن لا في الخارج ، فيبقى تعقل ذلك الجزئي له طرفان : طرف يسمى فيه تعقل الجزئي ، وطرف آخر يسمى فيه تعقل الكلي ، وليس تعقل تلك الكليات في الذهن تعقلا عاريا عن تعقل جزئي ما من تلك الجزئيات ، وإلا لكان للكليات وجود خاص في الخارج بغير الوجود الجزئي ، لأن الخارج أصل للإدراك وليس كذلك ، بل الكلي موجود في ضمن الجزئي ذهنا وخارجا وجودا محكوما به لا وجود له عين زائدة عن الجزئي ، فيتلخص من هذا أن الكليات في الذهن عبارة عن جزئيات متشخصة على وجه عام محكوم من طرف الذهن بعمومها وليس لها في الخارج وجود إلا بالوجود الجزئي فقط من غير حكم بالعموم بل بالخصوص . ( فهي ) ، أي الأمور الكلية التي لا وجود لها في غير الذهن ( باطنة لا تزال ) أبدا ( عن الوجود العيني ) كمن تعقل الإنسان الكلي العام في ذهنه ، فإنه يتعقل شخصا