الشيخ عبد الغني النابلسي
75
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
يخبر بالقصور والكامل بالكمال ( فلو عرفوا نفوسهم ) من حيث ما هي ناشئة في تلك النشأة المخصوصة القائمة بتجلي اسم خاص ، وأنها قاصرة عن النشأة الجامعة التي للخليفة ( لعلموا ما فيهم ) من القصور عن نشأة الخليفة ( ولو علموا ) ذلك ( لعصموا ) ، أي لحفظوا باعترافهم بالقصور عما وقعوا فيه من الطعن فيمن هو أعلى منهم ، فإن قلت هذا الكلام يشعر بعدم عصمة الملائكة للجمع عليها ، قلت : المراد بعصمتهم المجمع عليها عصمتهم من المخالفات والمعاصي ، وكلامهم ذلك في شأن هذه الخليفة الذي لم يكن موجودا حينئذ ليس بمخالفة ولا معصية ، وإنما هو بحسب ما عندهم من العلم بمن سئلوا عنه ممن لم يعرفوا مثله قبله أبدا ، فتكلموا فيه على مقتضى ما أعطاهم استعدادهم فأخطؤوه ولو علموه لحفظوا من ذلك . ( ثم لم يقفوا مع التجريح ) ، أي الطعن والقدح المذكور ( حتى زادوا ) على ذلك ( في الدعوى بما ) ، أي بالذي ( هم عليه من التقديس ) للّه تعالى ( والتسبيح ) له حيث قالوا : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] وإنما تسبيحهم وتقديسهم بما توجه على نشأة كل واحد منهم من الأسماء كما ذكرنا ( وعند آدم ) عليه السلام ( من الأسماء الإلهية ) بطريق ظهور نشأته ، مجموعة من كل شيء وكل شيء صورة ملك سماوي ، وكل شيء أثر من تجلي اسم خاص يسبح ربه بذلك الاسم ويقدس له ( ما ) ، أي أسماء إلهية ( لم تكن الملائكة ) ، من حيث كل واحد منهم منفردا كما ذكرنا ( مطلعين عليها ) في أنفسهم ولا في غيرهم ، فإن آدم عليه السلام جمع لأثر كل اسم إلهي في نشأته المخصوصة فهو يسبح اللّه ويقدس له بجميع تلك الأسماء . ( فما سبحت ) الملائكة ( ربها بها ) ، أي بتلك الأسماء كلها التي في آدم من حيث كل ملك منها ( ولا قدسته ) ، أي طهرته تقديسا صادرا ( عنها ) عن تلك الأسماء كلها مثل ( تقديس آدم ) عليه السلام ( وتسبيحه ) فإن عبادة الكامل كاملة وعبادة القاصر قاصرة ، ولهذا قال عليه السلام : « ركعة من عالم باللّه خير من ألف ركعة من جاهل باللّه » « 1 » ، والعلم باللّه يتفاوت ففضيلة الركعات تتفاوت ، وكذلك كل عبادة . ( فوصف ) ، أي حكى ( الحق ) تعالى ( لنا ) في القرآن العظيم ( ما جرى ) بين آدم عليه السلام والملائكة عليهم السلام وإبليس عليه اللعنة ( لنقف عنده ) ، أي عندما جرى فلا تتعداه بتبرئة الملائكة عما صدر منهم مما تقتضيه حقائقهم ونعترف لآدم عليه السلام بما وصفه اللّه تعالى من الكمال ونصف إبليس بما صدر منه من الكفر والعناد والجحود للفضيلة الظاهرة ( ونتعلم الأدب مع اللّه تعالى ) في كل مقام أقامنا
--> ( 1 ) أورده المناوي في فيض القدير ، حرف الراء ، [ 4 / 36 ] .