الشيخ عبد الغني النابلسي
68
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
راجع إلى الكلمة الخبيثة ( فتم ) ، أي كمل ( العالم كله ) أعلاه وأسفله ( بوجوده ) ، أي هذا الإنسان الكامل . * * * فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم ، الّذي هو محلّ النّقش والعلامة الّتي بها يختم الملك على خزانته ، وسمّاه خليفة من أجل هذا . لأنّه تعالى الحافظ به خلقه كما يحفظ الختم الخزائن فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها إلّا بإذنه ، فاستخلفه في حفظ العالم فلا يزال العالم محفوظا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل . ألا تراه إذا زال وفكّ من خزانة الدّنيا لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ تعالى فيها وخرج ما كان فيها والتحق بعضه ببعضه ، وانتقل الأمر إلى الآخرة فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديّا . فظهر جميع ما في الصّورة الإلهيّة من الأسماء في هذه النشأة الإنسانيّة فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود ، وبه قامت الحجّة للّه تعالى على الملائكة . ( فهو من العالم ) كله ( كفص الخاتم من الخاتم ) ، وهو وجه آخر في تسميته فصوص الحكم غير ما ذكرنا فيما سبق ( وهو ) ، أي الإنسان الكامل الذي هو من العالم كفص الخاتم من الخاتم ( محل ) ، أي موضع ( النقش ) ، أي الكتابة المقصودة من وضع الخاتم وصياغته ، ومعلوم أن المنقوش في فص الخاتم اسم صاحب الخاتم ، وهنا اللّه هو صاحب الخاتم ، فاسمه الأعظم هو المنقوش على هذا الفص كما قال تعالى : بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ العنكبوت : 49 ] ، وهو خاتم سليمان عليه السلام الذي ملك به ما ملك ( و ) هو محل ( العلامة التي بها يختم الملك ) ، أي السلطان وهو الحق تعالى ( على خزائنه ) ، التي هي كل شيء كما قال تعالى : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) [ الحجر : 21 ] . والختم هو منع الإمداد لشيء من العالم إلا من حقيقة هذا الإنسان الكامل وتنزيله بقدر معلوم هو الإمداد الحاصل للأشياء من هذا الكامل كما ذكرنا . ( وسماه ) ، أي سمى الحق تعالى هذا الإنسان الكامل ( خليفة ) في قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] الآية . وقوله : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ ص : 26 ] ، وقوله : و جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ