الشيخ عبد الغني النابلسي
66
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الحروف لا وجود حلول واتحاد ، وهي لم تبرح من قلب المتوجه على كتابة الحروف ، ثم إن تلك الحروف المكتوبة بماء البصل إذا مسها حرارة النار تبينت حروفا مرسومة يخالف لونها لون القرطاس ، فتظهر للقارئ فيقرؤها فيفهم معانيها الظاهرة فيها ، وههنا تتوجه تلك الأرواح المتعينة في حقيقة القلم الأعلى التي رسمت في اللوح المحفوظ صورا وأشكالا غير متبينة على تلك الصور والأشكال بسبب التوجه الأصلي من همة الكاتب الحامل لأرواح هذه الصور والأشكال فتنبعث الحرارة الغريزية والحركة الشوقية الروحانية ، فتتبين بذلك تلك الصور والأشكال في عالمها المخصوص الذي هو عالم الطبائع والعناصر ، فإذا تم تبينها وهو المراد بتسوية الجسد قوي التوجه المذكور ، فسرت الروح النباتية النامية بعد الروح الجمادية المظهرة لصورة الجسد فقط ، ثم تسري الروح الحيوانية المحركة ، ثم الروح الإنسانية المكملة للظهور الإلهي على أتم الوجوه الممكنة ، فتتحقق صورة الإنسان وتتميز عن غيرها في هذه الأكوان . ( فسمي هذا المذكور ) الجامع لقوابل العالم كله أعلاه وأسفله كما ذكرنا ( إنسانا ) وهو الاسم الأصلي ( وخليفة ) وهو الاسم اللقبي ( فأما إنسانيته ) التي سمي بها أوّلا ( فلعموم نشأته ) ، أي سريانها في كل نشأة روحانية أو طبيعية أو عنصرية ( وحصره الحقائق ) العلوية والسفلية ( كلها ) بحيث لا تبقى حقيقة في العالم إلا وفيه منها رقيقة متصلة يمدها بروحه الأمري الإلهي ، وتمده هي بروحها الجمادي والنباتي والحيواني ولهذا لا غناء له عن الغذاء المحسوس فهو لعموم نشأته يمدها وبذلك شرف عليها وصار مكرما قال تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] الآية . وبحصره الحقائق كلها فيه تمده هي لسبقها عليه ولكبرها بالنسبة إليه كما قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] ( وهو ) ، أي هذا الإنسان المذكور ( للحق ) تعالى النافخ فيه من روحه الأمري الإلهي النوري الذي هو المخلوق الأوّل من جهة إمداده تعالى كل حقيقة كونية من حقيقة هذا الإنسان كما ذكرنا ( بمنزلة إنسان العين ) ، وهو نورها الذي يظهر سوادا تبصر به بحيث لو زال أو قل زال إبصارها ( من العين ) الإنسانية أو الحيوانية ( الذي به يكون ) ، أي يوجد ( النظر ) والإدراك للأشياء على وجه التمييز بين حسنها وقبيحها . ( وهو المعبر عنه بالبصر ) ، وإنما يظهر سوادا وهو نور مشرق ، لأن جميع ما يقابله ظلمة بالنسبة إليه ، لأنه الروح الأمري المنفوخ وهو روح كل جماد ونبات وحيوان وإنسان وملك وجن ، ولكن ما قبل كمال الظهور إلا في الإنسان الكامل فقط دون غيره فنسب إليه ، وسمي في غيره باسم أنزل منه ، كما أن الآدمي ظهر في هذا