الشيخ عبد الغني النابلسي
56
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
المعبود ، والمعبود يلزم أن يكون عنده حاجة كل عبد ، فيلزم أن يكون موصوفا بجميع الصفات الكمالية والجلالية والجمالية ، والصفات إذا ظهرت كانت أسماء قال تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] وهذا التعليم لآدم كان بإظهاره تعالى الحقيقة الآدمية جامعة لآثار جميع التجليات الإلهية فهي ظهورات الصفات ، فهي الأسماء التي علمها ، وحين علمها إنما علم نفسه فعلم ربه . وفي الحديث : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » . ( في كلمة ) ، أي حقيقة من حقائق الحق تعالى على حد ما سبق بيانه في الكلم ( آدمية ) ، أي منسوبة إلى آدم عليه السلام أبي البشر . واعلم أن فص هذه الحقيقة الآدمية وكذلك فصوص بقية الحقائق الآتية إنما تظهر للوارث ويقرأ نقشها في كل وقت على حسب استعداده في ذلك الوقت فيتكلم على حسب ذلك الاستعداد ويظهر له في وقت آخر أعلى من ذلك أو أدنى منه ، وكذلك يظهر لغيره من تلك الحقيقة غير ذلك ، فيكون الكلام على حسب الوقت ، وهذه عادة أهل اللّه على الدوام ، فلا تظن أن التكلم على هذه الحقائق النبوية بهذه الكلمات يحصر هذه الحقائق فيما ذكر ، ولا تظن أيضا أن المتكلم بهذه الكلمات في هذه الحقائق انحصر علمه بها فيما تكلم به من ذلك واللّه أعلم . * * * لمّا شاء الحقّ سبحانه من حيث أسمائه الحسنى الّتي لا يبلغها الإحصاء أن يرى أعيانها وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر كلّه . لكونه متّصفا بالوجود ، ويظهر به سرّه إليه . فإنّ رؤية الشّيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ؛ فإنّه تظهر له نفسه في صورة يعطيها المحلّ المنظور فيه ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ ولا تجلّيه له . ( لما شاء ) ، أي حين أراد ، وهذا من ضرورة التعبير ، وإلا فإن مشيئة اللّه تعالى لا تتقيد بزمان ( الحق ) وهو اللّه تعالى من حيث تحققه وثبوته في ذاته العلية لا من جميع الحيثيات ، إذ العالم كله إنما هو موجود ووجد ويوجد في حضرة واحدة من حضرات اللّه تعالى ، وهي حضرة الحق وباقي الحضرات لا وجود للعالم فيها أبدا ، ولما كانت كل حضرة إلهية جامعة لكل الحضرات جمعت حضرة الحق المذكورة التي وجد فيها هذا العالم لجميع الحضرات الإلهية ، ومن المعلوم أن كل حضرة إذا