الشيخ عبد الغني النابلسي

53

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وأما الرحمة فهي المثبتة للأعيان الكونية والممدة لها ، ثم إن الرحمة المذكورة موصوف ربنا تعالى المتجلي بها في حضرة تجليه بها على عالم الإمكان بجميع الأوصاف الباقية فهو تعالى عليم ، قدير ، جبار ، متكبر ، قهار ، وهاب ، ضار ، نافع إلى غير ذلك لكن كل ذلك من حضرة الرحمة المذكورة فقهره وجبروته وضره تعالى من حضرة الرحمة ، ولهذا تبقى الآثار مع ذلك ولا تنمحق ولا تهلك مع أنها هالكة بالنسبة إلى غير الرحمة من باقي الحضرات الصفاتية كما قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ونقل عن أبي يزيد البسطامي قدّس سره أنه سمع قارئا يقرأ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) [ البروج : 12 ] فقال : بطشي أشد من بطشه ، لأن بطشه مشوب بالرحمة وبطشي لا رحمة فيه ، ولهذا قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، وكان استواؤه تعالى ، أي صفة تجليه على العرش بالرحمة لا غيرها من الصفات كما قال تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] ، وجمعية الرحمن بجميع الأوصاف من قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] ، فالأسماء الحسنى للّه والأسماء الحسنى للرحمن ، وكذلك لكل اسم من الأسماء الحسنى أيضا الأسماء الحسنى كلها ، والتي ظهرت بظهور الأكوان إنما هي الأسماء الحسنى التي للرحمن لا مطلق الأسماء الحسنى . ( ومن اللّه ) تعالى لا من غيره ( أرجو ) ، أي اطلب ( أن أكون ممن أيّد ) بالبناء للمفعول ، أي أيد اللّه تعالى بالعناية والتوفيق وسلك به سبيل الرشاد والتحقيق ( فتأيّد ) ، أي قبلت إنسانيته باستعدادها ذلك التأييد المذكور إذ الكرم الإلهي فياض على الجميع غير ممنوع عن أحد ، ولكن الاستعداد الإنساني يقبل منه ما يقع به التفاوت بين الكاملين والناقصين قال تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] يعني بسبب عدم استعدادهم لقبول ذلك ( وأيد ) غيره إشارة إلى قبول زيادة التأييد بحيث صار يؤيد غيره ( وقيّد ) ، أي قيده اللّه في الظاهر والباطن ( بالشرع المحمدي ) المنسوب إلى محمد عليه السلام ( المطهر ) عن الحرج والإصر ( فتقيد ) ، أي قبل ما قيده به ربه أتم قبول ( وقيّد ) غيره بذلك أيضا ( وحشرنا ) اللّه تعالى يوم القيامة ( في زمرته ) ، أي زمرة محمد عليه السلام ، ويجوز أن يكون الضمير راجعا إلى الشرع المحمدي بناء على أنه هو ذات محمد عليه السلام ، بيّنها اللّه تعالى على لسانه لأمته . والشرع البيان ، قال تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ [ الشورى : 13 ] ، أي بيّن وأظهر ( كما جعلنا من أمته ) صلّى اللّه عليه وسلم أمة الإجابة لا الدعوة ( فأول ما ألقاه ) ، أي أوحاه وحي