الشيخ عبد الغني النابلسي
48
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وكتبه قلم فتوحي في صحيفة لوحي ( من غير زيادة ) على ذلك ( ولا نقصان ) ، منه فإن الزيادة والنقصان تغيير وتبديل لكتابه المنزل عليه من حضرة نبيه وهو محفوظ من ذلك . ( وسألت ) ، أي دعوت ( اللّه ) تعالى ( أن يجعلني ) بمحض فضله وإحسانه ( فيه ) ، أي في إبراز هذا الكتاب ( وفي جميع أحوالي ) الظاهرة والباطنة ( من ) جملة ( عباده ) المخلصين ( الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ) ، أي تسلط بإغواء وإضلال أو زيادة في الحق أو نقصان منه . قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) [ الحجر : 42 ] ، وقال تعالى حكاية عن الشيطان : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( 83 ) [ ص : 82 - 83 ] ، فعلم من ذلك أن الإخلاص هو الذي يحفظ العبد من إغواء الشيطان لا ما عداه من الأحوال ، ومثله التوكل على اللّه تعالى كما قال تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) [ النحل : 99 ] . ( وأن يخصني ) لأقوم بخدمة إخواني المؤمنين ( في جميع ما يرقمه ) ، أي يكتبه في تصانيفي وتآليفي المنثورة والمنظومة ( بناني ) ، أي يدي ( وينطق به ) في تقريري وتحقيقي للمريدين والطالبين ( لساني ) ، من الفوائد والمسائل ( وينطوي ) ، أي ينكتم ويخفى عن الغير ( عليه ) من المعارف الإلهية والحقائق الربانية ( جناني ) بالفتح ، أي قلبي . ( بالإلقاء ) متعلق بيخصني ، وهو قذف الحق والصواب في القلوب والألباب ، ويكون هذا الإلقاء بواسطة ملك الإلهام وبغير واسطة من ذي الجلال والإكرام ( السبوحي ) ، أي المنسوب إلى سبوح وهي كلمة مبالغة في تسبيح اللّه تعالى ، أي تنزيهه عما يدركه البصر والبصيرة . وذلك لأن القلب إذا تطهر بالتسبيح تفرغ للفيض الإلهي فعلى قدر فراغه من الأكوان يمتلئ من أنوار الرحمن . ( والنفث ) : وهو النفخ مع بعض رطوبة مائية ( الروحي ) ، أي المنسوب إلى الروح ، قال تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، فبالنفخ ظهر الرحمن في صورة آدم عليه السلام وبنيه ونفخ الجمال غير نفخ الجلال ، فإن النفخ في النار الخامدة يوقدها للجلال وفي النار الموقدة يخمدها للجمال ، كأنه مع بعض رطوبة نورية فهو النفث والنور يخمد النار ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] ولا شك أن الجسد المسوّى الآدمي قبل نفخ الروح فيه مستعد لذلك كاستعداد الغريب لأخبار أهله متشوق إليها متشوق لديها ، فإذا ورد عليه خبر الحق بالنفخ الروحي الذي هو كلام اللّه تعالى المكتوب منه بلا حرف ولا صوت ، فإما أن يسره