الشيخ عبد الغني النابلسي

32

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

مثاله ، وإنما العلم يتعلق بالمعلومات على ما هي المعلومات عليه في حيثيتها وجودا وعدما ، فقول القائل إن بعض المعلومات له في الوجود أربع مراتب ذهنيّ وعينيّ ولفظيّ وخطيّ ، فإن أراد بالذهن العلم فغير مسلم ، وإن أراد بالذهن الخيال فمسلم ، لكن في كل معلوم يتخيل خاصة وفي كل عالم يتخيل ، ولكن لا يصحّ هذا إلّا في الذهنيّ خاصة لأنه يطابق العين في الصورة ، واللفظيّ والخطيّ ليسا كذلك ، فإن اللفظ والخط موضوعان للدلالة والتفهيم فلا يتنزل من حيث الصورة على الصورة ، فإن زيدا اللفظيّ والخطيّ إنما هو زاي وياء ودال رقما أو لفظا ما له يمين ولا شمال ولا جهات ولا عين ولا سمع فلهذا قلنا لا يتنزل عليه من حيث الصورة لكن من حيث الدلالة ، ولذلك إذا وقعت فيه المشاركة التي تبطل الدلالة افتقرنا إلى النعت والبدل وعطف البيان ولا يدخل في الذهنيّ مشاركة أصلا فافهم . مسألة : كنّا حصرنا في كتاب المعرفة الأول ما للعقل من وجوه المعارف في العالم ولم ننبه من أين حصل لنا ذلك الحصر ، فاعلم أن للعقل ثلاثمائة وستين وجها يقابل كل وجه من جناب الحق العزيز ثلاثمائة وستين وجها يمده كل وجه منها بعلم لا يعطيه الوجه الآخر ، فإذا ضربت وجوه العقل في وجوه الأخذ فالخارج من ذلك هي العلوم التي للعقل المسطرة في اللوح المحفوظ الذي هو النفس ، وهذا الذي ذكرناه كشفا إلهيا لا يحيله دليل عقل فيتلقى تسليما من قائله أعني هذا ، كما تلقى من القائل الحكيم الثلاثة الاعتبارات التي للعقل الأول من غير دليل لكن مصادرة فهذا أولى من ذلك ، فإن الحكيم يدعي في ذلك النظر فيدخل عليه بما قد ذكرناه في عيون المسائل في مسألة الدرة البيضاء الذي هو العقل الأول ، وهذا الذي ذكرناه لا يلزم عليه دخل فإنا ما ادّعيناه نظرا وإنما ادّعيناه تعريفا ، فغاية المنكر أن يقول للقائل : تكذب ليس له غير ذلك كما يقول له المؤمن به : صدقت ؛ فهذا فرقان بيننا وبين القائلين بالاعتبارات الثلاثة وباللّه التوفيق . مسألة : ما من ممكن من عالم الخلق إلّا وله وجهان : وجه إلى سببه ووجه إلى اللّه تعالى ، فكل حجاب وظلمة تطرأ عليه فمن سببه ، وكل نور وكشف فمن جانب حقه ، وكل ممكن من عالم الأمر فلا يتصوّر في حقه حجاب لأنه ليس له إلّا وجه واحد فهو النور المحض ، ألا للّه الدين الخالص . مسألة : دلّ الدليل العقلي على أن الإيجاد متعلق القدرة وقال الحق عن نفسه إنّ الوجود يقع عن الأمر الإلهي فقال : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ النحل : 40 ] فلا بدّ أن ننظر في متعلق الأمر ما هو وما هو متعلق القدرة حتى أجمع بين السمع والعقل فنقول : الامتثال قد وقع بقوله فيكون والمأمور به إنما هو الوجود ، فتعلقت الإرادة بتخصيص أحد الممكنين ، وهو