الشيخ عبد الغني النابلسي

22

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بمن اصطفاه واختاره واجتباه من وجوده ، ذلك سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ صلى اللّه عليه وسلم ما أنزل من ربّه إليه وأدّى أمانته ، ونصح أمته ، ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه ، فخطب وذكر ، وخوّف وحذر ، وبشّر وأنذر ، ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ، وما خصّ بذلك التذكير أحدا من أحد عن إذن الواحد الصمد ، ثم قال : « ألا هل بلّغت ؟ » فقالوا : بلغت يا رسول اللّه ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ اشهد » . وإني مؤمن بكل ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلم ممّا علمت وما لم أعلم ، فممّا جاء به فقرّر أن الموت عن أجل مسمّى عند اللّه إذا جاء لا يؤخّر ، فأنا مؤمن بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك ، كما آمنت وأقررت أن سؤال فتّاني القبر حق ، وعذاب القبر حق ، وبعث الأجساد من القبور حق ، والعرض على اللّه تعالى حق ، والحوض حق ، والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة حق ، والنار حق ، وفريقا في الجنة وفريقا في النار حق ، وكرب ذلك اليوم حق على طائفة وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين ، وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق ، وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق ، والتأبيد للمؤمنين والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق ، والتأبيد لأهل النار في النار حق ، وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند اللّه علم أو جهل حق . فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤدّيها إذا سئلها حيثما كان ، نفعنا اللّه وإياكم بهذا الإيمان ، وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الحيوان ، وأحلنا منها دار الكرامة والرضوان ، وحال بيننا وبين دار سرابيلها من القطران ، وجعلنا من العصابة التي أخذت الكتب بالإيمان ، وممّن انقلب من الحوض وهو ريان ، وثقل له الميزان ، وثبتت له على الصراط القدمان ، إنّه المنعم المحسان ، فالحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه لقد جاءت رسل ربنا بالحق . اعتقاد أهل الاختصاص من أهل اللّه بين نظر وكشف الحمد للّه محير العقول في نتائج الهمم ، وصلّى اللّه على محمد وعلى آله وسلم . مسألة : أما بعد ، فإن للعقول حدا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي قابلة ، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلا قد لا يستحيل نسبة إلهية ، كما نقول فيما يجوز عقلا قد يستحيل نسبة إلهية .