الشيخ عبد الغني النابلسي
156
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
إمداده النبوي ( إلا من مشكاة خاتم النبيين ) وهو محمد عليه السلام . ( وإن تأخر ) عن وجود طينتهم ( وجود طينته ) ، أي صورته الجسمانية عليه السلام في عالم الملك ( فإنه بحقيقته ) الإنسانية ( موجود ) قبل تعين حقائق الأنبياء عليهم السلام في عالم الملكوت ( وهو قوله ) صلّى اللّه عليه وسلم كما ورد في حديثه ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) ، أي حقيقته الإنسانية مترددة التعين بين الماء الذي خلق منه والطين الذي خلق منه . والمراد بين الجزئين الغالبين على عالم نشأته ، وإلا فهو من النار والهواء أيضا ، ولكنهما ضعيفان فيه واعلم أن الأرواح موجودة قبل الأجسام ولكن وجودا متداخلا كوجود النخلة في النواة ووجود السنبلات الكثيرة في الحبة الواحدة ، فالروح الكل واحد ، وهو أوّل مخلوق منه تتعين جميع الأرواح بتوجه الحقائق العلمية على صورها الروحانية لتتميز في عالم الأرواح قبل تميزها في عالم الأجسام ، وحقيقة محمد صلّى اللّه عليه وسلم موجودة متميزة في الرتبة العلمية أولا بكونها حقيقة الحقائق العلمية ، كالحبة بالنسبة إلى السنبلات الكثيرة والنواة بالنسبة إلى ما اشتملت عليه النخلة من الأغصان والأوراق والعراجين وغير ذلك . ثم لما ظهرت صورة الروح الكلي بالتجلي الرحماني تصورت حقيقة الحقائق بذلك النور الروحاني وتميزت فيها الحقائق تميزا روحانيا شعاعيا لا ينفصل ولا يتّصل كتميز الأغصان دون الثمرات ، ولهذا كان محمد صلى اللّه عليه وسلم لا يقيده مقام ولا مرتبة في القرب الرحماني لأنه عين الكل وحقيقة جميع الحقائق . ثم إن ذلك الروح الكلي من حيث هو نور خلقت منه بانقسامه أربعة أقسام كما ورد في الحديث حقائق الملائكة الأربع ، ثم تنزل إلى الطبائع الأربع ، والعناصر الأربع والمواليد الأربع فظهرت الصورة الجسمانية الآدمية ساترة لحقيقتها الروحانية مظهرة لها ، ثم كشف لها عن جميع ذلك ، فظهرت نبوّة آدم عليه السلام فصح قوله عليه السلام : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » « 1 » . وفي رواية : « ولا آدم ولا ماء ولا طين » « 2 » ، وهو ظاهر لا ريب فيه ( وغيره ) ، أي غير محمد صلى اللّه عليه وسلم ( من الأنبياء عليهم السلام ما كان نبيا إلا حين بعث ) بعد الأربعين عاما من ولادته إلا عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ، فإنهما كانا نبيين
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، برقم ( 2018 ) [ 2 / 173 ] ورواه الحاكم في المستدرك ، ذكر أخبار سيد المرسلين ، حديث رقم ( 36553 ) [ 7 / 329 ] بلفظ : عن ميسرة الفخر قال : قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : متى كنت نبيا قال : وآدم بين الروح والجسد » . ورواه غيره . ( 2 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، ضمن حديث رقم ( 2007 ) [ 2 / 169 ] .