الشيخ عبد الغني النابلسي
146
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( فهو ) ، أي الحق تعالى ( مرآتك ) على المعنى المذكور ( في رؤيتك نفسك ) حيث ظهرت لك صورتك فيه عند رؤيتك له ، فالظاهر لك هو وأنت ما رأيته ولكن رأيت صورتك قائمة به ، وصورتك عدم محض ، لأنك أنت أيضا عدم محض والموجود هو وحده على ما هو عليه ، ولكن قدّرك بقدرته وأرادك بإرادته وجعلك عقلا وحسا من جملة ما قدّرك به وأرادك ، فنظرت بعقلك وحسك فلم يكن في الوجود غيره ، فرأيت بعقلك وحسك ما هو من شاكلة ذلك ، وهو أنت على حسب ما قدّرك وأرادك ، وكانت رؤيتك جميع ذلك فيه سبحانه ، فاحتجبت عنه بك ، فالموجود هو ، وأنت على عدمك ، والمرئي لك هو ، لكن منعتك من رؤيتك له على ما هو عليه صورتك الظاهرة لك به وهي عدم محض . قال تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، أي إلا ذاته . ( وأنت ) أيها المقدّر المراد على حسب ما سبق به العلم القديم من حيث تقديرك بالقدرة الأزلية وتخصيصك بما سبق في الإرادة الإلهية ، لا من حيث ظهورك لك كما ذكر في مرآة الحق تعالى ، لأنك لم تظهر في حقيقة الأمر ، وإنما أنت على ما أنت عليه من العدم المحض ، محكوم عليك بجميع مقتضيات أسماء الحق تعالى في الأزل ( مرآته ) سبحانه وتعالى ( في رؤيته ) تعالى ( أسمائه ) الحسنى كلها التي هي قائمة بذاته العلية ليست غير ذاته تعالى ، وأنت جملة آثارها ، وقد أراد الحق تعالى أن يرى ذاته في غيره كما يرى الإنسان صورته في المرآة ، وهو رأى ذاته في نفسه أزلا وأبدا ، فتوجهت أسماؤه الحسنى من الأزل على الحكم بآثار لها على حسب اختلافاتها ، فكان جملة ذلك أنت في العدم المحض ، ورؤيتك نفسك في وقت مخصوص من جملة ذلك ، فللحق تعالى أزلا وأبدا رؤيتان : رؤية لذاته ، ورؤية لأسمائه بذاته فيك ، وأنت على ما أنت عليه من العدم ، فأنت مرآته تعالى في رؤية أسمائه لا ذاته ( و ) في ( ظهور أحكامها ) ، أي ظهور أحكام أسمائه تعالى له من الأزل . ( وليست ) ، أي أسماؤه سبحانه ( سوى عينه ) ، أي ذاته تعالى فكل اسم منها ذاته تعالى في حضرة مخصوصة من حضراته ، وهو مذهب المحققين من أهل اللّه تعالى كما مر ( فاختلط ) ، أي التبس ( الأمر ) عليك حيث كان هو مرآتك ، فإذا رأيته رأيت نفسك فيه ولم تره من حيث ما هو عليه في ذاته ، وأنت مرآته من حيث ما أنت عليه قبل أن تظهر صورتك لك فيه فإذا رآك من هذه الحيثية رأى ذاته تعالى من حيث أسمائه وحضراته ، ولا يراك من حيث أنت ترى نفسك ، لأن هذه الحيثية من جملة أحوالك ، ولا يتصف هو بشيء من أحوالك كما لا تتصف أنت بشيء من أحواله