الشيخ عبد الغني النابلسي

131

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

( أو بالاستعداد ) بأن تهيأ للإجابة بحسب العادة ، كالحبة إذا دفنت تحت الأرض فإنها مستعدة للإنبات لخروج السنبلة منها ، والنواة كذلك مستعدة للإنبات للخروج النخلة منها ، فهي سائلة بلسان استعدادها ومجلوبة من اللّه تعالى فيما سألت . واعلم أن اللّه تعالى غني عن العالمين ، ومن غناه عنهم كانت عطاياه لا بد لها من سابقة السؤال من الغير ، فيعطي الماهيات المعدومة التي هي ليست بأشياء وجودا بسبب سؤالها ذلك منه باستعداد حالها ، حتى لو لم تستعد للموجود ولم تسأله ذلك باستعدادها له لم يعطيها وجودها وبعد وجودها ، متى استعدت لحالة فقد سألت منه تلك الحالة باستعدادها لها فيعطيها ذلك أو بلسان حالها أو بلسان قالها سواء كانت تلك الحالة خيرا لها أو شرا ، فإن اللّه تعالى يعطيها ذلك على حسب سؤالها ، ولهذا جاءت نسبة الشرع جميع ما يصدر من المكلف إليه نسبة حقيقة ، لأنه وإن لم يفعل ذلك حقيقة فقد فعله اللّه تعالى له بطلبه هو لذلك استعدادا أو حالا أو قالا ، كما أوجده اللّه تعالى على هذه الكيفية ، وهذه الصورة والحالة التي هو فيها بطلبه ذلك من اللّه تعالى طلبا استعداديا ، فأعطاه اللّه تعالى ذلك له على حسب طلبه ، وإن كان استعداده ذلك بوضع اللّه تعالى على مقتضى ما سبقت به الإرادة القديمة ، وإلى اللّه ترجع الأمور ، فهو الذي أفقر إليه كل شيء وهو الذي أغنى بعطائه كل شيء . ( كما ) ، أي مثل ما سبق من كون العطايا لا بد لها من سؤال ( أنه ) ، أي الشأن ( لا يصح حمد ) للّه تعالى ( مطلق ) عن قيود الأسباب ليس في مقابلة سبب داعي إليه ( قط إلا في اللفظ ) فنقول : الحمد للّه وأنت نافي جميع الأغراض لك عن هذا الحمد ، فالحمد المطلق عن ذلك إنما هو في لفظك فقط ، وإذا تأملت في معنى ذلك وجدت الحامل لك عليه استحقاق اللّه تعالى الحمد لا في مقابلة لشيء مطلقا ، بل استحقاق ذاتي لأنه الكامل المطلق ، فقد حملك عليه التنزيه الذي قام عندك للّه سبحانه وتعالى ، والتنزيه قيد فلم يخلو الحمد من قيد كما قال . ( وأما في المعنى ) باعتبار قصد الحامد ( فلا بد أن يقيده الحال ) الذي هو قائم بالحامد وإن لم يشعر به الحامد ( فالذي يبعثك ) أيها الحامد ( على حمد اللّه ) تعالى في كل حمد صدر منك ( هو المقيد لك باسم فعل ) من أفعال اللّه تعالى كالرزّاق ، والمعطي ، والفاتح ، والراحم ، واللطيف ، والحافظ ونحو ذلك ، فإذا فعل اللّه تعالى معك فعلا يلائمك أو لا يلائمك فحمدته على السراء والضراء فقد تقيد حمدك بالاسم المأخوذ من ذلك الفعل للّه تعالى ( أو باسم تنزيه ) للّه تعالى كالواحد والأحد