الشيخ عبد الغني النابلسي

127

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

بل نظره على الحقّ جمعا في مقام وحدته وتفصيلا في مظاهره ، فإذا اقتضى الحال السؤال سأل عبوديّة ، وإذا اقتضى التّفويض والسّكوت سكت . فقد ابتلي أيّوب وغيره وما سألوا رفع ما ابتلاهم اللّه به ، ثمّ اقتضى لهم الحال في زمان آخر أن يسألوا رفع ذلك فسألوا فرفعه اللّه عنهم . والتّعجيل بالمسؤول فيه والإبطاء للقدر المعيّن له عند اللّه . فإذا وافق السّؤال الوقت أسرع بالإجابة وإذا تأخّر الوقت إمّا في الدّنيا وإمّا في الآخرة تأخّرت الإجابة ، أي المسؤول فيه لا الإجابة التي هي لبّيك من اللّه فافهم هذا . ( ومن هذا الصنف ) الثاني ( من يسأل ) ربه حاجة ( لا للاستعجال ) الذي خلق عليه العبد كما في الصنف الأول من أصناف السائلين ( ولا للإمكان ) ، أي إمكان أن يكون حصول حاجته موقوفا على السؤال لعلمه أن ثمة أمورا لا تنال إلا بعد سؤال ، فيحتاط في حاجته لاحتمال أن تكون من هذه الأمور ، وهو الصنف الثاني من أصناف السائلين ( وإنما يسأل ) من ربه حاجته ( امتثالا ) ، أي لأجل الامتثال اللازم عليه ( لأمر اللّه ) تعالى ( في قوله تعالى : ادْعُونِي ) أي اسألوا مني حوائجكم ( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [ غافر : 60 ] ، أي أعطيكم ما سألتموه مني ( فهو ) ، أي هذا السائل الذي إنما يسأل امتثالا لأمر اللّه تعالى ( العبد ) للّه تعالى ( المحض ) ، أي الخالص من شائبة الغرض النفساني حيث كان سؤاله قياما بما أمره اللّه تعالى به لا استعجالا بحاجته ، ولا لاحتمال أن تكون حاجته موقوفة على السؤال لعلمه أن بعض الأمور كذلك ، فغرضه في الحقيقة امتثال للأمر لا حصول حاجته ، ولهذا قال : ( وليس لهذا الداعي ) المذكور ( همة متعلقة فيما يسأل ) اللّه تعالى ( فيه من أمر معين ) عنده من الحاجة الفلانية أو الغرض الفلاني دنيويا أو أخرويا ( أو غير معين ) من ذلك ( وإنما همته في امتثال أوامر سيده ) التي أمره بها من جميع العبادات ، الدعاء بحوائجه وغير ذلك ، فإن الأمر بالدعاء أمر غير موقت بوقت فهو موكول إلى الداعي . ( فإذا اقتضى الحال ) الذي يكون فيه ذلك السائل بحسب ما يجده في قلبه من الإقبال على السؤال بطريق الإلهام من اللّه تعالى ( السؤال ) ، أي الدعاء بحاجته يكون ذلك الاقتضاء الحالي إذنا من اللّه تعالى له بالسؤال وتعيينا منه تعالى لوقته المطلق ( فسأل ) حينئذ من ربه حاجته ولا يصبر على فقدها ( عبودية ) منه للّه تعالى ( وإذا اقتضى الحال ) في وقت آخر ( التفويض ) إلى اللّه تعالى والصبر على فقد حاجته