القاضي سعيد القمي

77

شرح الاربعين

تصفية الباطن وتكميل النفوس الإنسانية ، وحصول التّقرّب إلى الملكوت الأعلى والملائكة ، ومشاهدة الأنوار ، وترتّب غرائب الآثار ، والتخلّص عن الصفات الذّميمة ، والنقاوة عن الأخلاق الرّدية كما يعرفه أهل الذّكر فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * « 1 » . قال بعض العرفاء : « بنية العبد بحكم « 2 » مدينة جامعة ، وأعضاؤه وجوارحه وقواه بمنزلة سكّان المدينة ، والعبد في إقباله « 3 » على الذّكر كمؤذّن صعد منارة على باب المدينة بقصد إسماع أهل المدينة بالذكر ؛ فهكذا الذاكر المتحقّق يقصد بالذّكر إيقاظ قلبه وجميع أجزائه وأبعاضه ، فيذكر بلسانه ويعي بقلبه ومتفرّعات جوارحه ، فيكون منارة الذاكر اللسان ، وصداه في قبّة القالب ، يستحضر بالذكر سكّان مدينة النفس ، ويستجمع عساكر الفهم والحسّ يقول ببعضه ويستجمع بكلّه « 4 » إلى أن ينتقل الكلمة من اللسان إلى القلب ، ليتنوّر بها ويتفطّن بمجدّدي « 5 » الأحوال ؛ ثمّ ينعكس نور القلب على القالب فيتزيّن بمحاسن الأعمال » - انتهى . وقال الشيخ محيي الدين الأعرابي « 6 » : « لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانيّة إلّا من ذكر اللّه الذكر المطلوب ، فإنّه تعالى جليس من ذكره والجليس مشهود الذاكر ، ومتى لم يشاهد الذاكر الحقّ الذي هو جليسه فليس بذاكر فإنّ ذكر اللّه سار في جميع العبد لا من ذكره بلسانه خاصّة ، فإنّ الحقّ لا يكون في هذا الوقت إلّا جليس اللسان خاصة فيراه اللسان من حيث لا يراه الإنسان بما هو راء « 7 » ؛ فافهم هذا السرّ في ذكر الغافلين » - انتهى كلامه . قيل : السرّ المأمور بفهمه إنّما يستفاد من تحقيق كون الموجودات عرفاء شاعرين

--> ( 1 ) . النحل : 43 . ( 2 ) . بحكم : يحكي ع ج ن . ( 3 ) . إقباله : أقواله ن . ( 4 ) . بكلّه : بكلمة ج . ( 5 ) . بمجدّد : بجدول ج ، تجدون . ( 6 ) . فصوص الحكم ، فصّ كلمة نفسية من كلمة يونسية ، ص 168 . ( 7 ) . راء : رآه ع .