مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
76
شرح فصوص الحكم
الأمر وإن كان أجهل الناس فعلمنا أن العمل يطلب علو المكان في الآخرة وعلمنا أن العلم يطلب كذلك فما كان عليا منا في الدار الآخرة بعلو المكانة فهو عليّ بعلو المكان إذ لا يحصل العلم الحاصل من الفناء في اللّه إلا بالعمل الموجب له إلا المجذوبين وليس كل من كان عليا بالمكان عليا بالمكانة كالزهاد فإنهم في أعلى الجنان وليس لهم علو بالمكانة لأن أعمالهم لا لطلب العلم باللّه بل لطلب المكان العلي فأعلى اللّه مرادهم على حسب طلبهم . ولما قال : وَاللَّهُ مَعَكُمْ أثبت لنفسه ما أثبت لنا وهو العلو بالمكانة فجعلنا شريكا لنفسه في اسمه العلي فكان علوه تبعا بالمكانة كعلونا فلزم تنزيه اسمه عن الاشتراك ، فأورد الشيخ آية التنزيه بقوله : ( ثم قال تنزيها للاشتراك بالمعية سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) عن هذا الاشتراك المعنوي ) أي الاشتراك الذاتي بمعنى أن العلو كما ينسب إلى اللّه تعالى لذاته كذلك ينسب إلى المكانة لذاتها وهذا هو المفهوم من الآية السابقة فلما قال : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) علم أن علوه تعالى لذاته وعلو الموجودات كلها لا لذاتها بل العلو له تعالى كله حيث ظهر وغيره على بعلوه فلا يقع اشتراك غيره معه في علو بالاشتراك المعنوي بل الاشتراك في العلو لا يكون إلا لفظا ( ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات أعني الإنسان الكامل ) وهو روح الأعظم المحمدي تظهر الأسماء ( وما نسب إليه العلو إلا بالتبعية أما ) بالنسبة ( إلى ) علو ( المكان ) . ( وأما ) بالنسبة ( إلى ) علو ( المكانة وهي المنزلة ) لأن العلو نسبة ولا يظهر نسبة إلى شيء إلا بالإضافة إلى شيء آخر له علو فما يحدث العلو في شيء إلا بالتبع إلى علو المكان أو إلى علو المكانة وإذا كان الإنسان مع كونه أعلى الموجودات يحتاج في ظهوره علوه إلى المكان والمكانة إذ لا ينسب إليه العلو إلا بعد الظهور بالعلو فلا يظهر العلو في شيء إلا بالنسبة إلى المكان أو المكانة ( فما كان علوه لذاته ) وهو اللّه تعالى وحده لا يشترك فيه معه غيره ( فهو العليّ بعلوّ المكان ) أي كما أنه ينسب إليه العلو الذاتي من غير إضافة وتبعية إلى شيء كذلك ينسب إليه تبعية المكان ( والمكانة ) فيقال وهو العليّ بعلو المكان والمكانة ، كما يقال هو العلي بعلوه الذاتي ومعنى علوه بعلو المكان والمكانة كونه تعالى تابعا إليهما في إظهار هذا الاسم فيهما ليكونا دليلين على علو الذاتي فعلوّ المكان دليل على علوه الذاتي من حيث الظاهر فنستدل به بأنه ما كان عليا في الظاهر إلا وهو أثر من علوه الذاتي فهو عليّ بالذات على كل ظاهر وعلو المرتبة دليل على أنه لا عليّ في الباطن من المراتب إلا وهو عليّ بعلوه فالعلو للممكنات اختصاص من اللّه تعالى يعطي اللّه لمن يشاء لإظهار كمالات هذا الاسم منه لا من مقتضيات الطبيعة ( فالعلو لهما ) من حيث الظهور وإن كان اللّه بحسب الذات ومعنى اتباع الحق في العلو إلى المكان والمكانة توجهه إليهما في إظهار هذا الاسم فبهذا المعنى يجوز أن ينسب إليه العلو المكاني وإليه أشار بقوله فما كان