مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

74

شرح فصوص الحكم

استر لي أي استر ذاتي من أجلي بأنوار ذاتك حتى تهلك فيك أبدا كما يهلك القوم فيك أبدا بدعائي عليهم فدعا كلهم بالستر لئلا يضلوا عباده ودعا لنفسه بالستر كي يجهل قدره لأن مجهول القدر من أجل علو المرتبة ( فيجهل مقامي وقدري ) بحيث لا يطلع أحد غيرك على مقامي ولا يصل إليه ( كما جهل قدرك في قولك وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * ) [ الأنعام : 91 ] فدعا لنفسه من اللّه تعالى مقاما مختصا للَّه حتى اتحد معه فيه بحيث لا يسعه غيره وذلك من علوّ همته لنفسه ( ولوالديّ من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة ولمن دخل بيتي أي قلبي ) وهو القوي الروحانية ( مؤمنا أي مصدقا بما يكون فيه ) أي في القلب ( من الإخبارات الإلهية وهو ) أي ما يحصل في القلب ( ما حدثت ) أي أخبرت به ( أنفسها ) أي أنفس النفوس وتأنيث الضمير باعتبار النفوس ( وللمؤمنين من المعقول والمؤمنات من النفوس وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ ) [ نوح : 24 ] مأخوذ ( من الظلمات أهل الغيب ) عطف بيان للظالمين ( المكشفين خلف الحجب الظلمانية إِلَّا تَباراً ) أي هلاكا فيك فإذا هلكوا ( فلا يعرفون نفوسهم لشهودهم وجه الحق دونهم ) أي من دون أنفسهم وما أشار إليه نوح عليه السلام في دعائه بالتبار ( جاء في المحمديين كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] والتبار الهلاك ) فالظالمين هاهنا غير ما ذكر في الأول ، وهذا أعلى من الأول لذلك دعا في حق الأول بزيادة الحيرة بقوله : إِلَّا ضَلالًا أي حيرة فهم المتحيرون والحيرة من بقاء الوجود في الثاني بزيادة الهلاك بقوله : إِلَّا تَباراً فهم الهالكون المتخلصون عن قيد الحيرة إذ لا وجود لهم بسبب هلاكهم في اللّه فهم أعلى من الأول في مقام الفناء وإن كان كان الأول أعرف في مقام العرفان ( ومن أراد أن يقف بتمامه على أسرار نوح عليه السلام فعليه بالترقي في فلك نوح ) وهي الشمس ( وهو ) أي الوقوف على أسرار نوح عليه السلام أو فلك نوح مذكور ( في التنزلات الموصلية لنا ) فإن ما ذكرته من أسراره ثم لم يذكر هاهنا . فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية « 1 » أي حكمة تقديس اللّه تعالى عن كل ما لا يليق بحضرته مودعة في روح هذا النبي وفي التقديس مبالغة ليس في التسبيح فتنزيه إدريس عليه السلام أشد من تنزيه نوح عليه السلام لذلك لم ينم ستة عشر سنة ولم يأكل حتى بقي عقلا مجردا وخالط الأرواح المجردة والملائكة ورفعه اللّه مكانا عليا ( و ) لما كان العلو من لوازم التقديس وكان معرفة التقديس على التفصيل موقوفة على معرفة العلو ( قال اللّه تعالى ) في حق إدريس ( ورفعناه مكانا عليا )

--> ( 1 ) تضاربت أقوال مؤرّخي الإسلام والمفسرين كل أنواع التضارب في وصف هذا النبي ، وجعلوا منه شخصية أسطورية أكثر منها حقيقية . وقد بلغ تناقضهم في الرأي أقصاه عندما تكلموا في الزّمن الذي عاش فيه والحياة التي حييها ، ويظهر أنهم نقلوا ما ورد إليهم عنه من المعلومات نقلا خلا من كل نقد وتحليل .