مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

66

شرح فصوص الحكم

( عن نفسه ) عليه السلام ( أنه ) أي الرسول ( أوتي جوامع الكلم ) وهو قوله : « أوتيت جوامع الكلم » « 1 » يعني ما أنزل اللّه تعالى عليّ في حق نفسه آية بل نصف آية إلا وهي جامعه بين التنزيه والتشبيه ومن جملتها قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] فإذا أوتي جوامع الكلم ( فما دعا محمد عليه السلام قومه ليلا ونهارا ) أي تفريقا بين الجمع ( بل دعاهم ليلا في نهار ونهارا في ليل ) أي دعاهم بالجمع بين الدعوتين ( فقال نوح في حكمته لقومه ) أي أشار نوح عليه السلام إلى قومه في حكمة دعوته قومه يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ أي يرسل اللّه من عالم الأرواح عليكم ( مدرارا وهي ) أي المدرار ( المعارف العقلية في المعاني ) المعقولة ( والنظر الاعتباري ) أي المدرار هي النظر في الأشياء للاستدلال بها على وجود الصانع ( ويمددكم بأموال أي بما يميل بكم إليه ) أي ويمددكم الحق بسبب تجلي جمالي جاذب بكم إلى الحق ( فإذا مال بكم ) أي جعلكم موجها إلى جناب الحق وهي التجليات الجاذبة إلى الحق ( إليه ) أي إلى الحق ( رأيتم صورتكم فيه ) أي في الحق ( فمن تخيل منكم أنه رآه ) ، أي الحق ( فما عرف ومن عرف منكم أنه رأى نفسه فهو العارف فلهذا انقسم الناس ) من أهل الكشف ( إلى عالم غير عالم ) كما مر في الفص الشيثي وهذا كله يستفاد من وجوه الكلام يفهمه الخواص ( وولده ) أي المراد من قوله وولده ( هو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري ) أي العلوم الحاصلة لهم بنظرهم الفكري ( والأمر ) أي ما دعا إليه نوح عليه السلام ( موقوف علمه على المشاهدة بعيد عن نتائج الأفكار ) فهم عصوه واتبعوا إلى نتائج أفكارهم وكانوا محرومين عن حكمة دعوته لعدم علمهم ما أشار إليه نوح عليه السلام ولعدم حصول هذا العلم بنظرهم الفكري ( إلا خسارا ) إلا ضياعا من عمرهم لصرفهم بما لا ينبغي لما أن في زعمهم أن نظرهم الفكري يوصل إلى الحق وصرفوا عمرهم في ذلك وما عرفوا أن حكمة دعوته لا يحصل بذلك وما عرفوا زوال ما في أيديهم من الملك الذي يتعلق به نظرهم الفكري ( فما ربحت تجارتهم ) وما كانوا مهتدين بما يدعوهم نوح عليه السلام إليه ( فزال عنهم ) بالطوفان ( ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم ) وما سبب تخيلهم إلا عدم علمهم ما أشار إليه نوح عليه السلام في دعوته من المفهوم الثاني وقصرهم بمقتضى عقولهم على المفهوم الأول وتصرفهم بنظرهم الفكري ولم يعتبروا بنظر الاعتبار وكانوا بعيدا عن طريق المشاهدة بذلك فإياك أن تقتصر كلام اللّه تعالى وكلام الرسول على المفهوم الأول فإن الأمر ما كان على طريق المشاهدة لا على طريق النظر ألا ترى قوم نوح عليه السلام كيف كان حالهم لصرفهم ما جاء نبيهم على المفهوم الأول بمقتضى عقولهم فلا يعرفون أن ما في أيديهم ليس بملك لهم لاتباعهم نظرهم فضلوا عن طريق الهدى وهو طريق المشاهدة ( وهو ) أي ما كان في أيديهم

--> ( 1 ) ذكره أحمد بن حنبل في مسنده ج 2 : 250 ، وفي إتحاف السّادة المتّقين للزبيدي 7 : 112 .