مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

320

شرح فصوص الحكم

أي ثابتا ( مع كونه منفعلا ) ولم يتجاوز إلى كونه فاعلا ( حتى كوّن اللّه عنه ما كوّن ) كما قال خلقتك من نوري وخلقت الأشياء من نورك ( فأعطاه ) أي أعطى اللّه النبي ( رتبة الفاعلية ) يتصرف بأمر اللّه خلافة عنه ( في عالم الأنفاس التي هي الأعراف الطيبة ) وهي عالم الأرواح المدبرة بنفوسهم في الوجود الشهادي فإن فيها روائح الطيبة الوجودية فعالم الأنفاس بمنزلة النساء في الشهادة فأعطاه رتبة الفاعلية في النساء فكما وجد في النساء روائح التكوين كذلك وجد في عالم الأنفاس روائح الوجود إذ ما يحصل الوجود الشهادي إلا بعالم الأنفاس ( فحبب إليه الطيب ) كما حبب إليه ما فيه الطيب وهو عالم الأنفاس والنساء فالطيب هو الرائحة الطيبة فكانت عرضا متأخرا الوجود عن الجوهر قائما به قوله فحبب إليه يجوز أن يكون معلوما ومجهولا ( فلذلك ) أي فلأجل كون الطيب متأخرا بالوجود عما يقوم به ( جعله ) أي جعل رسول اللّه عليه السلام الطيب ( بعد النساء فراعى ) رسول اللّه عليه السلام في هذا الترتيب ( الدرجات التي للحق في قوله رَفِيعُ الدَّرَجاتِ فأول الدرجات العقل الأول وهو آدم الحقيقي والثاني النفس الكلية وهي حوّاء فالعقل الأول مذكر بين المؤنثين ذات الحق والنفس الكلية فراعى النبي عليه السلام هذه الدرجات الإلهية بجعل المذكر بين المؤنثين فكان رسول اللّه رفيع الدرجات الثلاث بإضافة حبهن إليه في قوله : حبب إليّ وكذلك رفيع جميع الدرجات من الجواهر المجردة والأجسام ( ذو العرش لاستوائه ) أي لاستواء النبي العرش ( باسم الرحمن ) فإن العرش مخلوق من العقل الأول الذي هو روح محمد عليه السلام فكان محمد عليه السلام ذا العرش فإن الدرجات كما تنسب إلى الحق تنسب إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم تبعا لا أصالة فإذا استوى الرحمن على العرش ( فلا يبقى فيمن حوى ) أي أحاط واشتمل ( عليه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية الرحمانية وهو ) أي المعنى المذكور معنى ( قوله تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والعرش وسع كل شيء والمستوي ) أي الحاكم والمستولى عليه ( الرحمن ) فكان العرش مظهر الرحمن يظهر منه فيض الرحمن على ما تحته من الموجودات ( فبحقيقته ) أي بحقيقة اسم الرحمن ( يكون سريان الرحمة في العالم كما قد بيناه في غير موضع من هذا الكتاب ومن الفتوح المكيّ وقد جعل الحق الطيب في هذا الالتحام النكاحي ) أي نكاح الشهادي الواقع بين الرجل والمرأة ( في براءة عائشة رضي اللّه عنها فقال : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ [ النور : 26 ] ) ، من الافتراء في حقهن فإن عائشة رضي اللّه عنها وباقي أزواجه أطيب الطيبات كما أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم أطيب الطيبين ( فجعل روائحهم ) أي فجعل الحق روائح الطيبين وهي أقوالهم لأن الطيب من يتكلم كلمة طيبة أي صادقة والخبيث من يتكلم كلمة خبيثة وهي كلمة كاذبة طيبة أي صادقة وإنما جعل أقوالهم روائح ( لأن القول نفس هو ) أي النفس ( عين الرائحة فيخرج النفس بالطيب والخبيث على حسب ما يظهر به في صورة النطق ) أي يخرج النفس من الطيب طيبا ومن الخبيث خبيثا ( فمن حيث هو إلهي بالأصالة كلمة طيب فهو )