مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

306

شرح فصوص الحكم

يتعلق بقوله ( قال ) وهو جواب لما ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله ) من قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ( لم ينكروا وأقرّوا بذلك فقالوا : إنما تقتضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض فالدولة لك فصح قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ) بمعنى صاحب الدولة ولما اتجه أن يقال كيف يصح أن يقال قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ورب الأعلى ليس إلا هو على الحق أجاب بقوله ( وإن كان ) الرب الأعلى ( عين الحق فالصورة ) التي ظهرت الربوبية عنها ( لفرعون ) فصح قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى بحسب الصورة الفرعونية ( فقطع ) فرعون ( الأيدي ) مفعول قطع ( وإلا رجل وصلب بغير حق ) فإن السلطنة في الحقيقة لها لا له ( في صورة باطل ) وهي الصورة الفرعونية وإنما وقع القطع والصلب من فرعون ( لنيل ) كل من السحرة وفرعون ( مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل ) أما فرعون فإنه لا يصل إلى مقصوده في الدنيا وهو إظهار التحكم والسلطنة إلا بالقتل والصلب وكذلك لا يصل في الآخرة إلى مقصوده وهو جزاء القتل والصلب إلا به وهو من نيل المراتب وأما السحرة فإنهم لا ينالون درجة الشهادة في الآخرة إلا بالقتل في يد فرعون ( فإن الأسباب ) سواء كانت أسبابا للباطل أو للحق ( لا سبيل إلى تعطيلها فإن الأعيان الثابتة ) في علم اللّه التي هي صور العالم ( اقتضتها ) لتنال إلى مقاصدها فعلم اللّه منها وقضى عليها وقدّرها ( فلا تظهر الأعيان في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات اللّه تعالى ) هذا باعتبار الكثرة وإما باعتبار الوحدة فمعنى قوله فقطع أي قطع الحق الأيدي والأرجل وصلب بغير حق أي باقتضاء العين الثابتة في صورة باطلة أي في صورة خلقية فانية ، إذ كل زائل باطل عندهم وهو مقابل للحق الثابت الباقي وهو عين الثابتة فالحق يفعل القطع بمقتضى العين الثابتة بيد الفاعلة في صورة فرعون وبيد القابلة في صورة السحرة لنيل الحق مراتب الوجود التي لا تنال إلا بذلك الفعل ( وليست كلمات اللّه تعالى سوى أعيان إليها القدم من حيث ثبوتها ) ويقال من هذا الوجه أنه حق ثابت دائم باق ( وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها كما تقول حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث ولذلك ) أي ولأجل أن ما له وجود وحدوث له ثبوت وقدم ( قال تعالى في كلامه العزيز أي في إثباته مع قدم كلامه ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون وما يأتيهم من ذكر الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين والرحمن لا يأتي إلا بالرحمة ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ) . ولما فرغ عن ذكر الحكم الإلهية التي كانت في الآيات الواردة في حق موسى عليه السلام وفرعون رجع إلى إتمام الكلام في حق فرعون فقال ( وأما قوله تعالى : فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ [ غافر : 85 ] ، إلّا قوم يونس عليه