مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

297

شرح فصوص الحكم

نَفْساً زَكِيَّةً ( ولم يتذكر ) موسى بقتل الخضر الغلام ( قتله القبطي ) فاحتاج إلى تنبيه آخر ( فقال له الخضر ما فعلته عن أمري ينبهه ) أي ينبه الخضر موسى عليهما السلام بقوله ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ( على مرتبته ) أي مرتبة موسى ( قبل أن ينبأ أنه ) أي الشأن ( كان ) موسى ( معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر ) موسى ( بذلك ) أي كونه معصوم الحركة فعلم موسى بذلك التنبيه أن قتله القبطي عن أمر إلهي ( وأراه أيضا خرق السفينة التي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاضب جعل ) الخضر ( له ) أي لموسى ( ذلك ) أي خرق السفينة ( في مقابلة التابوت له ) أي لموسى ( الذي كان في اليم مطبقا عليه فظاهره هلاك وباطنه نجاة وإنما فعلت به ) أي بموسى ( أمه ذلك ) الفعل وهو جعله في التابوت والقاؤه في اليم ( خوفا من يد الغاضب فرعون ) بدل من الغاضب ( أن يذبحه ضيرا ) وهو ضرب عظيم من الذبح ( وهي ) أي أم موسى ( تنظر إليه ) خوفا من أن يذبحه فرعون على نظر أمه فإنه أشدّ إيلاما من أن يذبحه على غيبتها قوله ( مع الوحي ) يتعلق بقوله إنما فعلت ( الذي ألهمها اللّه من حيث لا تشعر ) فعلم موسى بفعل الخضر بالسفينة أن ما فعلت أمه به ليس عن أمرها بل عن أمر اللّه وإلهامه لها وإن لم تشعر ( فوجدت في نفسها أنها ترضعه ) فوقعت كما وجدت في نفسها ( فإذا فعلت ) ذلك الفعل بموسى ( خافت عليه الفتنة ) أي خافت على موسى أن يصيبه الفتنة ( في اليم ) وهو خوف غيبته فقوله خافت جزاء لأذا الذي للشرط وفعل الشرط محذوف لوجود قرينة وهي فعلت ( لأن في المثل عين لا ترى قلب لا يفجع فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر وغلب على ظنها أن اللّه ربما يردّه إليها لحسن ظنها به ) أي باللّه ( فعاشت بهذا الظن في نفسها والرجاء يقابل الخوف واليأس ، وقالت حين ألهمت ) أي حين ألهمها اللّه فعل التابوت ( لذلك ) الرجاء وحسن الظن فقوله لذلك يتعلق بقالت ( لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يديه فعاشت وسرّت ) من السرور ( بهذا التوهم والظن بالنظر إليها وهو ) أي ذلك التوهم ( علم في نفس الأمر ثم إنه لما وقع عليه الطلب خرج فارّا خوفا في الظاهر وكان في المعنى حبا للنجاة ) ففعل موسى بنفسه مثل ما فعلته أمه به ، فمثل فرار موسى كمثل فعل التابوت من أمه في أن صورة كل منهما خوف ومعناهما حب ( فإن الحركة أبدا إنما هي حبية ويحجب ) مبني للمفعول ( الناظر فيها ) أي في الحركة ( بأسباب أخر ) كالخوف والغضب وغير ذلك ( وليست تلك الأسباب ) المحجبة للناظر أسبابا لها على الحقيقة بل إنما كان سببا حبا ( وذلك ) أي وبيانه أي أن الحركة لا تكون أبدا إلا حبية ( لأن الأصل حركة العالم من العدم الذي كان ) العالم ( ساكنا فيه ) أي العدم ( إلى الوجود ) يتعلق بالحركة ( ولذلك ) الأصل ( يقال إن الأمر ) أي الوجود ( حركة عن سكون فكانت الحركة التي هي وجود العالم حركة الحب وقد نبه رسول اللّه عليه السلام على ذلك ) الحب ( بقوله : « كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف » ، فلو لا هذه المحبة ما ظهر