مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
293
شرح فصوص الحكم
وأما الخامس فلأن قوله وقرينة الحال تعطى أنه ما كان على يقين بالانتقال لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق فإنه يجوز أن يكون إيمانه في تلك الساعة للنجاة عن الهلاك وأسرّ في نفسه بعدها دعوة الربوبية فعلم اللّه منه ذلك فلم يقبل إيمانه وسبب ذلك أن فرعون حيث رأى السحرة لما آمنوا نجوا عن الهلاك فزعم أن مجرد الإقرار باللسان سبب النجاة عن الهلاك ففعل فعلا لم ينفع له في الدنيا والآخرة فقد ظهر لك أن قوله فقبضه اللّه طاهرا مطهرا لا يثبت عنده إلا على تقدير ثبوت الأدلة المذكورة في إثباته فلم يكن هذه الأدلة عنده نصوصا في إيمانه كما لم تكن الأدلة الدالة على شقائه في الآخرة عند أهل الظاهر نصوصا عنده لأن قوله تعالى : آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [ يونس : 91 ] ، يحتمل أن يكون عتابا لفرعون لا رادّا للإيمان وكذا سائر الآيات الدالة على شقائه مثل هذه الآية فلما لم ينص المصنف بآية من القرآن الكريم وبحديث النبي في سعادته وشقاوته في الآخر ذهب إلى التوقف في حق فرعون فقال والأمر فيه إلى اللّه وأما حديث ابن عباس أنه لما قال فرعون لا إله إلا اللّه أتاه جبرائيل فحاشى فاه التراب خشية أن تدركه الرحمة فنص في منع الرحمة عقيب الايمان لا غير ولو كان له نص في ذلك لوجب عليه الحكم بمقتضى النص فقال والأمر فيه إلى الايمان ، ولم يقل كذلك إشارة إلى ورود المنع المذكور ولم يترجح أحد الدليلين على الآخر عنده فتوقف فمن عثر مراتب الأدلة لم يعسر عليه قبول مثل هذا الكلام ولا تعرف أن التوقف في مثل هذا المقام مثل هذا الكامل يخالف الإجماع وإنما المخالف من ذهب إلى صحة إيمانه حاشا من العقلاء فضلا عن هذا الكامل فإن التوقف هو الوقوف مع النسبة الحكمية وهو نوع من التقليل إلى الجماعة ودخول فيهم في الجملة لأنه الوقوف مع خلفهم لإخلافهم الذي هو صحة الايمان فلا يكون خارجا منقطعا عنهم ولئن سلم التوقف ليس مذهب الشيخ وإنما مذهبه ما قاله في الفتوحات المكية فرعون ونمرود مؤبدان في النار والمراد في هذا المقام إظهار الدلائل الموصلة إلى التوقف التي لم يتفطن عليها علماء الرسوم ولا يأتيها أحد غيره من أهل اللّه فلا يكون التوقف مذهبا للشيخ كيف وقد قال في هذا الكتاب وفي بعض كتبه لا بد لأهل الكشف أن يتبع إماما من الأئمة الأربعة في الاعتقادات الدينية والعمليات الشرعية ولا شك أن شقاء فرعون من الاعتقادات الدينية وإلا لما كفر من قال بإيمانه ولا دلالة في عبارات الكتاب على صحة إيمانه بل عبارته كلها تدل على جواز صحته بالنظر إلى ظاهر القرآن من غير نظر إلى الإجماع لتوقفه في آخر المسألة فيما ذكرناه حصل التوفيق بينه وبين أهل الشرع عند أهل الانصاف فظهر لك أن ما يقوله الناس في هذه المسألة في حق الشيخ افتراء منهم عليه ولعل غلط العامة ينشأ من كلام الشارحين الذي لم يصلوا بروحانية الشيخ وبينوا كلامه على خلاف مراده لعدم مناسباتهم بالمجردات وموضع غلطهم قوله في حق فرعون فقبضه اللّه طاهرا مطهرا . قال داود