مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

235

شرح فصوص الحكم

الرحيم ) فيستعاذ من الاسم المنتقم بالرحيم ( واللّه الموفق ) لهذه الاستعاذة وإدراك روح الشريعة لا غير . فص حكمة نفسية في كلمة يونسية « 1 » ( فص حكمة نفسية ) بفتح الفاء ( في كلمة يونسية ) ولما كان بين النفوس الناطقة وبين هذا النبي مناسبة في بعض الأحكام وهي ابتلاؤه بالحوت وابتلاؤها بالتعلق بالجسم الظلماني وغير ذلك من المناسبات الجامعة التي ذكرها داود القيصري في شرحه لهذا الكتاب أورد حكمتها في كلمته ( اعلم أن هذه النشأة الانسانية بكمالها ) قوله ( روحا وجسما ونفسا ) وقع تميزا بكمالها ( خلقها اللّه على صورته ) أي على صفته الكاملة من السمع والبصر والقدرة والإرادة وغير ذلك ، كما قال : كنت سمعه وبصره إلخ فإذا خلق اللّه هذه النشأة على صورته ( فلا يتولى ) أحد ( حل نظامها إلا من خلقها إما بيده ) أي إما حل بيده من غير واسطة في الخارج ( وليس ) سبب الحل ( إلا ذلك ) أي باليد ( أو بأمره ) أي بأمر الحق كالقصاص وغيره من الأسباب الشرعية فقوله وليس إلا ذلك جملة معترضة بين قوله إما بيده أو بأمره لحصر الحل في أحدهما فقطعت احتمال السبب الآخر غيرهما ( ومن تولاها ) أي ومن تولى حل نظام هذه النشأة ( بغير أمر اللّه ) أي بغير أمر شرعي كالقتل بغير حق ( فقد ظلم نفسه وتعدى حدّ اللّه فيها ) أي في النشأة الانسانية ( وسعى في خراب ما أمره اللّه بعمارته ) وهو قوله تعالى : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : 1 ] ، ( واعلم أن الشفقة على عباد اللّه أحق بالرعاية من الغيرة في اللّه ) أي من القتل بأمر اللّه وأورد دليلا على ذلك بقوله ( أراد داود عليه السلام بنيان بيت المقدس فبناه مرارا فكلما فرغ منه تهدم ، فشكا ذلك إلى اللّه فأوحى اللّه إليه أن بيتي هذا لا يقوم على يد من يسفك الدماء فقال داود عليه السلام يا رب ألم يكن ذلك ) الدماء ( في سبيلك قال اللّه تعالى بلى ولكن هم أليسوا عبادي ) فأشفق الحق عباده الذين وجب عليهم القتل بأمره فكيف على عباده الذين لم يجب عليهم القتال ( فقال ) داود عليه السلام ( يا رب اجعل بنيانه على يدي من هو مني فأوحى اللّه إليه إن ابنك سليمان عليه السلام يبنيه فالغرض من هذه الحكاية مراعاة هذه النشأة الانسانية وإن إقامتها أولى من هدمه ألا ترى عدوّ الدين قد فرض اللّه في حقهم الجزية والصلح إبقاء عليهم وقال وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) أي للسلم وهو مؤنث سماعي ( ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف

--> ( 1 ) النقطة الأساسية التي يحوم حولها هذا الفص هي الإنسان طبيعته ومنزلته من الوجود . وحكمة هذا الفص إلى يونس فلا يمكن تعليها إلا أساس أن المؤلف يعتبر يونس مجرد رمز للنفس الإنسانية الناطقة التي نادت ربها في الظلمات وإذا كان في مقدور النفس الإنسانية وحدها أن تعرف اللّه وأن تسبحه وتقدسه فهي الجديرة وحدها بأن تحمل اسم الإنسان وأن تكون منه موضع الكرامة .