مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

220

شرح فصوص الحكم

ولما كان هذا المقام مظنة أن يقال لم طوّل الكلام في حصول العرش مع أن البيان على وجه الاختصار مطلوب أجاب بصورة الاعتذار يعني إنما طوّلت الكلام في تحقيق صورة العرش ( فإن مسألة حصول عرش بلقيس من أشكل المسائل إلا عند من عرف ما ذكرناه آنفا في قصته من الإيجاد والإعدام ) إن حصوله إعدام في مكانه إيجاد عند سليمان عليه السلام في زمان واحد من تجديد الخلق مع الأنفاس ، فإذا كان الأمر كذلك ( فلم يكن لآصف من الفضل في ذلك ) الفعل ( إلا حصول التجديد في مجلس سليمان عليه السلام ) فإذا كان حصول العرش على طريق التجديد ( فما قطع العرش مسافة ولا زويت له ) أي ولا طويت للعرش ( أرض ولا خرقها ) أي ولا خرق آصف أو العرش الأرض ( لمن فهم ) معنى ( ما ذكرناه ) من تجديد الخلق ( وكان ) أي وحصل ( ذلك ) الفعل العظيم الشأن وجليل القدر ( على يدي بعض أصحاب سليمان عليه السلام ) وهو آصف بن برخيا ( ليكون ) ذلك الفضل ( أعظم لسليمان عليه السلام ) أي ليكون ما فعله آصف بالعرش من الأمور العظام دليلا على أعظمية سليمان عليه السلام ( في نفوس الحاضرين من بلقيس وأصحابها ) فإن أعظمية التابع تدل على أعظمية المتبوع فكان فعل آصف معجزة لسليمان عليه السلام ( وسبب ) حصول ( ذلك ) الفعل على يدي بعض أصحابه مع أن سليمان عليه السلام قادر عليه ( كون سليمان عليه السلام هبة اللّه لداود عليه السلام من قوله تعالى : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ [ ص : 30 ] ، والهبة عطاء الواهب بطريق الأنعام لا بطريق الجزاء الوفاق ) أي الجزاء الموافق لأعمال العباد كما قال جزاء وفاقا ( أو ) بطريق ( الاستحقاق ) بحسب العمل يعني أن وجود سليمان عليه السلام هبة اللّه لداود والفعل الذي حصل على يدي بعض أصحابه في مجلس سليمان عليه السلام هبة اللّه لسليمان لذلك لم يظهر على يدي نفسه إذ لو ظهر لتوهم أن ذلك في مقابلة عمله لا بطريق الأنعام ( فهو ) أي ما فعل آصف بالعرش في مجلس سليمان ( النعمة السابقة ) لسليمان ( والحجة البالغة ) على أعيان أمته يوم القيامة ( والضربة الدامغة ) في حق الكفار ( وما أعلمه ) أي وأما اختصاص سليمان بالعلم يريد ذلك بيان مرتبة سليمان في العلم ( بقوله ) تعالى : ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ مع نقيض الحكم ) أي مع وجود نقيض حكم سليمان وهو حكم داود في المسألة ( وكلا ) أي وكل واحد من الأنبياء ( أتاه اللّه حكما وعلما فكان علم داود علما مؤتى آتاه اللّه ) على يد من أيدي الأسماء من الوهاب وغيره فجاز في حكمه أن يصيب وأن لا يصيب كما في المسألة ( وعلم سليمان علم اللّه في المسألة إذا كان ) أي سليمان ( هو الحاكم بلا واسطة ) فعلم سليمان الأمر على ما هو عليه لكون علمه عين علم الحق وفضل سليمان على داود عليهما السلام في رتب العلم في هذه المسألة لا ينافي أفضلية داود على سليمان ( فكان سليمان ترجمان حق في مقعد صدق ) فكان لسليمان في المسألة أجران ولداود أجر واحد ( كما أن المجتهد المصيب لحكم اللّه الذي يحكم به اللّه ) أي بذلك الحكم