مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
209
شرح فصوص الحكم
الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمتنع الترديد تم كلامه فحينئذ ليس المراد من الترديد طلب المغفرة لهم بل ثناء للَّه من النبي عليه السلام بكمال التوحيد وكمال القدرة لكن الأنبياء ممنوعون بالنص الإلهي عن طلب المغفرة للمشركين فكان التريد عبادة خاصة للرسول نافعة له لا لهم هذا وإن كان له وجه لكن ظاهر الآية وقرنية الحال وهي تلاوة النبي عليه السلام ليلة كاملة يدلان ما قاله الشيخ رضي اللّه عنه من أنه دعاء لهم من النبي عليه السلام بإذن اللّه فما كان الدعاء إلا لطلب الإجابة فأجاب اللّه دعاءه ولو لم يجب لردّه في كرة أو كرتين أو ثلاث كرات كما قال تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ [ التوبة : 80 ] فمنع نبيه عليه السلام عن طلب الاستغفار للمشركين وكما قال تعالى : لَنْ تَرانِي يا موسى فمن سنة اللّه منع نبيه عليه السلام عن فعل ما لا يفيد ولو لم يفد هذا الترديد في حقهم لما ترك نبيه عليه السلام في ليلة كاملة فما ترك الترديد إلا بطلوع الفجر ولو طال لطال فظاهر الآية يدل على كمال شفقة النبي عليه السلام وترحمه عليهم فما هذا إلا دعاء وشفاعة لهم لا مجرد ترديد خال عن طلب المغفرة ( وهذا الاسم ) العزيز ( إذا أعطاه ) أي هذا الاسم ( الحق لمن أعطاه من عباده يسمى الحق ) في ذلك الوقت ( بالمعز و ) العبد ( المعطى له هذا الاسم ) يسمى ( بالعزيز ) لكونه مظهرا لتجلي الحق بالعزة ( فيكون ) الحق ( منيع الحمى ) أي مانعا حماه وما حماه إلا عين عبده ( عما يريد به المنتقم والمعذب من الانتقام والعذاب ) فمقتضى هذا الاسم منع العذاب عن العبد المذنب لذلك التجأ في دعائه إليه فأجاب اللّه دعاءه عن إضاعة مجاهدته في ليلة كاملة ( وجاء بالفصل والعماد أيضا تأكيدا للبيان ولتكون الآية على مساق واحد في قوله إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وقوله كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فجاء أيضا فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) أعاده ليتفرع عليه بعض الأحكام ( فكان ) ترديد النبي عليه السلام ليلته ( سؤالا من النبي عليه السلام وإلحاحا منه على ربه في المسألة ليلة الكاملة إلى طلوع الفجر يرددها ) أي يردد النبي عليه السلام تلك المسألة ( طلبا للإجابة فلو سمع الإجابة في أول سؤاله ما كرر ) سؤاله ( فكان الحق يعرض عليه ) أي على النبي عليه السلام ( فصول ما استوجبوا به ) أي استحقوا به ( العذاب ) وهو الذنب الذي يطلب المغفرة وهو عدا الشرك إذ الشرك لا يقبل المغفرة فالشيء لا يطلب ما لا يقبله ( عرضا مفصلا ) أي كل واحد من الذنوب والمذنبين ( فيقول ) النبي عليه السلام ( له ) أي للحق ( في كل عرض عرض وعين عين ) أي في كل عرض وعين فردا فردا ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلو رأى ) النبي عليه السلام ( في ذلك العرض ) أي عرض الحق على النبي عليه السلام ( ما يوجب تقديم الحق وإيثار جنابه ) من أن الحق يريد القهر والانتقام منهم لا يريد المغفرة لهم ( لدعا عليهم لا لهم ) لأن الأنبياء لا يريدون ما لا يريده الحق فعلم النبي عليه السلام في ذلك العرض أن الحق يريد العفو والمغفرة لهم بدعائه فبالغ في دعائه