مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

206

شرح فصوص الحكم

الحق لذلك طلب العبد من اللّه ( ولهذا ) أي ولأجل كون المطلوب من الطرفين الإجابة ( كان كل دعاء ) أي طلب سواء كان من الحق أو من العبد ( مجابا ) ليحصل المجازاة بينهما كما قال من أطاعني فقد أطعته ومن عصاني فقد عصيته ( ولا بد وإن تأخر ) حصول الدعاء عن وقت الطلب ( كما يتأخر ) حصوله ( عن بعض المكلفين فمن أقيم مخاطبا بإقامة الصلاة فلا يصلي في وقت ) أي في وقت كونه مخاطبا ( فيؤخر الامتثال ويصلي في وقت آخر إن كان متمكنا ) أي قادرا بالإقامة ( من ذلك ) أي في ذلك الوقت ( فلا بد من الإجابة ) من العبد ( ولو ) تأخر الأمر التكليفي ( بالقصد ) أي بقصد العبد ( ثم قال ) عيسى عليه السلام ( وكنت عليهم ) أي على الأمم ( ولم يقل على نفسي معهم ) أي لم يفصل من نفسه وأنفسهم ( كما قال ربي وربكم ) أي كما فصل بين ربه وربهم بقوله رَبِّي وَرَبَّكُمْ ( شهيدا ما دمت فيهم ) وإنما قال هذا القول ( لأن الأنبياء شهداء على أممهم ما داموا فيهم فلما توفيتني أي رفعتني إليك ) وإنما فسر توفيتني برفعتي ليثبت حياة عيسى عليه السلام ( وحجبتهم عني وحجبتني عنهم كنت أنت الرقيب عليهم في غير مادتي بل في موادهم ) بمعنى المعية بحكم واللّه معكم لا بمعنى الحلول في موادهم الروحانية والجسمانية فإنه محال في حق اللّه كما ثبت عند أهل اللّه ( إذا كنت ) تعليل لقوله بل في موادهم ( بصرهم الذي يقتضي المراقبة ) وهو البصر المجرد عن المواد وهو النور الإلهي ( فشهود الإنسان ) أي الإنسان الكامل ( نفسه شهود الحق إياه ) لكون الحق بصر الإنسان الكامل دون غيره ( وجعله ) أي جعل عيسى عليه السلام ذلك الشهود في الحق ( بالاسم الرقيب لأنه ) أي لأن عيسى عليه السلام ( جعل الشهود له ) أي للحق في قوله وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً لأن شهود عيسى عليه السلام شهود الحق في مادة عيسى عليه السلام فلم يفصل بينه وبين ربه ( فأراد أن يفصل بينه وبين ربه ) كما هو عادة العالمين بالحقائق ( حتى يعلم أنه هو ) أي أن عيسى عليه السلام هو عيسى عليه السلام ( لكونه عبدا ) في الواقع ( و ) يعلم ( أن الحق هو الحق ) في الواقع ( لكونه ربا له فجاء لنفسه بأنه شهيد ) لأن الشهيد قد يؤخذ بمعنى الشاهد على الشخص الحاضر عنده ( و ) جاء ( في الحق بأنه رقيب ) لأن الرقيب هو الشاهد على الشيء أزلا وأبدا وفرق بين نفسه وبين ربه في الشهود عليهم لذلك قيد شهوده بقوله ما دُمْتُ فِيهِمْ وأطلق في الحق بقوله أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ( وقدمهم في حق نفسه فقال عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ إيثارا لهم في التقدم وأدبا وآخرهم في جانب الحق عن الحق في قوله الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ لما يستحق الرب من التقدم بالرتبة ثم اعلم ) عيسى عليه السلام على صيغة الماضي أي أخبر ( أن للحق الرقيب الاسم الذي جعله عيسى عليه السلام لنفسه وهو الشهيد في قوله عَلَيْهِمْ شَهِيداً فقال وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) يعني أنا شهيد على قوم مخصوص ما دمت فيهم وأنت شهيد عليهم وعلى كل شيء أزلا وأبدا هي شهادة الحق في مقام الجمع والإطلاق ( فجاء بكل للعموم وشيء لكونه أنكر النكرات وجاء