مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
19
شرح فصوص الحكم
الإلهية فيكون المعنى فأوّل ما ألقاه المالك على العبد خلاصة العلوم الإلهية الحاصلة في كلمة آدمية فظهر لك أن المراد بالفص هاهنا بمعنى الخلاصة وإنما قدم بيان هذا الفص على تعداد حكمه مع أن دأب المصنفين عكسه تعظيما لشأنه لاشتماله على جميع ما يشتمل عليه الفصوص المذكورة في الكتاب مع زيادة ، فكأنه يستحق أن يكون كتابا مستقلا مقابلا لسائر الحكم . ( لما شاء الحق ) أي لما اقتضى الحق بالحب الذاتي . هذا شروع في بيان حقيقة الكلمة الآدمية مع لوازمها من الحتمية والخلافة والفصية وغيرها إلى قوله : ثم نرجع إلى الحكمة لتوقف معرفة الحكمة على معرفتها حتى نعلم منه حكمة إيجاد العالم لما هاهنا عبارة عن الإمداد المعنوي من الأزل إلى الأبد بمقارنة المشية الأزلية ولم يقل لما أراد جريا للكلام على عادة الناس فإن عادتهم في حصول مراداتهم التعليق بالمشية لا بالإرادة الحق هو اسم للذات الثابت بنفسه المثبت لغيره ولم يقل اللّه مع أنه أنسب للعادة ليعلم أن السلطنة في إيجاد الكون الجامع لهذا الاسم وسائر الأسماء الحسنى توابعه لذلك ، ذلك فردا حيث قال : لما شاء الحق وجمعا بقوله من حيث أسماؤه الحسنى فإنه من الأسماء الحسنى فقد ذكر تكرارا إجمالا وتفصيلا تعظيما لشأنه ( من حيث أسماؤه الحسنى ) أي من حيث أنه جامع لأسمائه الحسنى ( التي لا يبلغها الإحصاء ) أي لا يمكن العدّ إلا للَّه لأنها غير متناهية ( أن يرى أعيانها ) هذه صفة للَّه تعالى وعلة غائية لإيجاد الكون الجامع لاقتضاء هذه الإيجاد أن يكون علته الغائية من جانب الموجود ومن كمالاته وأما قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] أي ليعرفون فهو صفة للمخلوقات وعلة غائية لإعطاء الحق وجوداتهم الخاصة بهم بحسب الأوقات فذلك الإيجاد يقتضي أن تكون العلة الغائية من طرف المعلول وكمالاته فلا وجه لإيراد الشارح في هذا المقام قوله تعالى : ( كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف « 1 » ) الحديث لأنه صريح في بيان العلة لإيجاد الجزئيات والمقصود هاهنا بيان العلة الغائية لإيجاد المادة الكلية فتختلف العلتان الغائيتان باختلاف الإيجادين ( وإن شئت قلت أن يرى عينه ) فقد أسند المشية المتعلقة بالرؤية بقوله أن يرى أعيانها إلى الفيض المقدس وإلى الفيض الأقدس بقوله : أن يرى عينه وأشار إلى اتحادهما بقوله : وإن شئت ( في كون ) أي في موجود ( جامع يحصر الأمر ) المطلوب رؤيته وهو أعيانها أو عينه قوله : لكونه علة للحصر أي الموجود الجامع متصفا بالوجود الجامع بين النشأة الروحانية والجسمانية كما قال فيما بعد فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود
--> ( 1 ) ورد بلفظ « كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف » ذكره بهذا اللفظ الدّرر المنتثرة في الأحاديث المشهورة للإمام السّيوطي 126 ، تذكرة الموضوعات للفتني ( 11 ) .