مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
17
شرح فصوص الحكم
عبده في هذا اليوم لظهور عبوديته بكماله فيه واختصاصه العبادة به اختصاصا تاما فيكون عبدا محضا فكان في سائر الأيام ليس عبدا بالنسبة إليه كقوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ فتحقق بقوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) وهذا المعنى من رموز الشريعة وإشاراته اللطيفة التي لا تحصل إلا لمن تنور قلبه بنور البصيرة ، ويجوز أن يراد بالمالك الرسول عليه السلام أي أوّل ما أمره المالك على طريق الإلقاء للإبراز إلى العالم الشهادي إذ إلقاء الفصوص على الهيئة المذكورة على الشيخ ليس إلا وهو أمر عليه للإخراج من العالم المثالي إلى العالم الشهادي فيكون مأمورا في الترتيب فدل قوله : فأوّل ما ألقاه على أن إبراز كل فص بل كل معنى في هذا الكتاب يلفظ بأمر الرسول على حده جزءا فجزءا بعد أمره على الوجه الكلي بقوله : خذه واخرج به إلى الناس فالأمر بالإخراج غير الأمر بكيفية الإخراج فأمر بهما فأخذ للإخراج من يد الرسول فصا بعد فص لا جملة ففيه زيادة تنزيه من التصرف من عند نفسه وإنما ألقى إليه هذا أوّلا لأن كلمته أوّل الموجودات وأصلها وإنما قال المالك لأنه هو المالك لما بيده كما قال وبيده عليه السلام كتاب فهو صاحب الكتاب وإنما قال العبد لأن من امتثل أوامر سيده فهو عبد كما قال فقلت : السمع والطاعة للَّه ولرسوله ( من ذلك ) الكتاب المثالي المرسوم الذي بيده عليه السلام فمن للتبعيض المتضمن لمعنى الابتداء لأن من تدل على أن الكتاب مبدأ موضع الإلقاء وذلك إشارة إلى علو مرتبة الكتاب فأطلعه اللّه تعالى أوّلا معاني الكتاب بلا صورة ورسم وترتيب لأنه اطلاع سرّي مجرد من الصورة ثم أعطاه الرسول الكتاب للإبراز مرسوما بغير عبارة على هذا الترتيب المخصوص فالعبارة مستندة إلى الشيخ بالتأييد الاعتصامي وهو العربي الفصيح اللسان العارف باللغات العربية واصطلاحات كل طائفة والمعاني المرسومة من الرسول لقوله كما حد لي رسول اللّه ، والمعاني المجردة من اللّه تعالى لقوله : ولما أطلعني اللّه فذلك الكتاب لا ريب فيه وإنما لم يقل على قلب العبد ليدل على أن نسخة هذا الكتاب هو الكتاب المثالي الذي بيد رسول اللّه عليه السلام مع المعاني المرتسمة في قلبه المأخوذة من الصور المرتسمة فيه ، فحين أبرز فقد أحاط ظاهره وباطنه ونظر فيه بقلبه وبصر عينه كما قال وجرّدت القصد والهمة فلا يقع من جانبه خطأ أصلا فهو صحيح مطابق بالأصل الصحيح فإن من حفظ الألفاظ في قلبه وكتب هذه العبارات من النسخة الصحيحة المطابقة لما في القلب فقد كتب من النسختين الصحيحتين المنظورتين ببصر القلب والعين فلا يحتمل الخطأ لصحة الأصل واهتمام الكاتب ولذا قال ألقاه ولم يقل ألهمه فإن الإلقاء يشعر بأن يكون الملقى صوريا كقوله تعالى : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ [ النمل : 29 ] وقوله تعالى : و أَلْقِ عَصاكَ * [ الأعراف : 117 ] إلى غير ذلك فهذا القول آكد دلالة على نفي احتمال الخطأ من الهمة على قلب العبد .