مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
153
شرح فصوص الحكم
عزيرية العلم بسرّ القدر يعطي الراحة الكلية للعالم به ويعطي العذاب الأليم أيضا للعالم به فهو يعطي النقيضين تم كلامه . وقد ظهر سرّ القدر في اليوم الآخر لكل أحد فيعطي النقيضين في ذلك اليوم أيضا والإنسان لكونه مظهرا للأسماء الإلهية المتقابلة لا يزال جامعا للنقيضين الألم والراحة بحسب المقامات وبحسب الظهور والبطون فألم أهل الجنة في غاية الخفاء والبطون بظهور الراحة الكلية كما أن راحة أهل النار في غاية الخفاء والبطون بظهور العذاب الأليم فلا يصح في التحقيق سلب الألم والنعم عن الإنسان من كل الوجوه لعموم الجمعية في نشأته الدنيوية والأخروية والمقصود إثبات عدم انقطاع أثر الأسماء المتقابلة وأحكامها عن وجود الإنسان وقد نازعني بعض العلماء في ذلك بقوله تعالى : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] وما علموا أن كلما لعموم الفعل لا لدوام ثبوته فما ثبت قطع الرحمة بالكلية في حقهم إلا بالإجماع وما لهم نص في ذلك إلا أنه لما دل النصوص على حرمانهم أبدا عن الرحمة العظمى والجليل القدر عند اللّه والنعمة العظمى والنافعة الكبرى وهي نعيم الجنان فلا رحمته عندهم في الدار الآخرة أصلا غير ذلك وكل ما عدا ذلك عذاب محض غير الأعراف وما جاز عند أهل الفناء من الرحمة الممتزجة بالعذاب ليس بشيء من الرحمة عندهم على أنه من أيّ شيء عرفتم أن الإجماع وقع على نفي ما جاز عند أهل اللّه لا بد من البيان فجاز وقوع الإجماع على ما دل عليه النصوص بدون سلب كلي غايته أنهم لم يتعرضوا جوازه ولا عدم جوازه فجاز أن يدخل تحت الإجماع وأن لا يدخل بل التفويض والتوقف في ذلك أولى وأنسب من أهل الفناء إلى الإجماع لأن حكمهم على حسب علمهم ولا يتعلق علمهم بما في العذاب بدون نص حتى تعلق حكمهم بالنفي أو الإثبات إلى ما في لب العذاب إذ كل نص عندهم لا يدل إلا على بقاء ظاهر العذاب ولا يلزم منه الدلالة على ما في العذاب فلا حكم لهم في باطن العذاب أصلا بحسب النصوص وإن قلتم اجتمعوا على ذلك برأيهم أو بالنص هات البرهان على ذلك من النقل أو العقل ، فلا يتوهم أن هذا المعنى تكلم منهم من عند أنفسهم بل أخذوا الرحمة عن بعض النصوص وهو قوله : سبقت رحمتي غضبي ، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وغير ذلك من النصوص الدالة على شمول الرحمة وأخذوا عن بعض النصوص بقاء العذاب عليهم فجوّزوا الرحمة الممتزجة من العذاب إبقاء لحكم النصوص إذ لا يترك حكم اللّه من غير ضرورة ولا ضرورة هاهنا وعاملا بقوله تعالى : أعطى كل ذي حق حقه فنهاية علم العلماء باللّه في مثل ذلك التوقف وتفويض الأمر كما توقف الشيخ صاحب الكتاب رضي اللّه عنه في حق فرعون وفوّض أمره إلى اللّه وقال : ثم إنا نقول بعد ذلك والأمر فيه إلى اللّه لما استقرّ في نفوس عامة الخلق إلى شقائه فراعى الشيخ جانب الإجماع لأن الإجماع كما كان حجة عند أهل