مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
15
شرح فصوص الحكم
رسول اللّه عليه السلام لما علم رضي اللّه عنه أن الطالبين الصادقين علموا قدر الكتاب مما ذكر وصدّقوه فيما قال وأحبوه محبة شديدة غالبة على اختيارهم فخاف عليهم أن ينسبوا إليه النبوّة كما هو مقتضى غلبة المحبة فضلّوا وأضلّوا عن الهداية لخروجهم عن حدّ الاعتدال ، أراد حفظهم عن هذه المهلكة المخوفة عليهم فقال : ( ولست بنبيّ ولا رسول ولكني وارث ولآخرتي حارث ) أو جواب عن سؤال ناش مما ذكر للطالبين الصادقين فكأنهم قالوا : علمنا وصدّقنا بما ذكر أن الكتاب كذا وكذا وما كنا نعلم كيف أنت أنبيّ أم رسول أم وليّ من الأولياء الذي لا وليّ مثله وفوق مرتبته لأن من جاء بمثل هذا الكتاب لا يكون غير ذلك فأجاب بما هو عليه في نفس الأمر أو لما بين مرتبة الكتاب لزم بيان مرتبة نفسه من الكمال وأعظم الكمالات الإنسانية النبوّة والرسالة ، ثم الوراثة فأخرج نفسه منهم بقوله : ولست بنبيّ ولا رسوله وأدخله فيهم من حيث العلوم الإلهية والتجليات الربانية بقوله : ولكني وارث من حيث الأعمال بقوله : ولآخرتي حارث أي لأسباب ملاقاة ربي كاسب فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [ الكهف : 110 ] إذ كل الأنبياء حارث لأمور آخرتهم وفيه دلالة على أن الكمل إن كانوا يعبدون اللّه يريدون أجر الآخرة من دخول الجنة والنجاة عن النار يكون عبادتهم خالصا مخلصا للَّه إذ إرادتهم هذه عين إرادة اللّه فلا يعبدون اللّه في كل مقام إلا للَّه وباللّه خالصا مخلصا عن الأغراض النفسانية . وقوله : ولكني وارث يدل على أن علوم الأولياء الكمل مكتسبة لكن لا بطريق نظر فكري لأن الوراثة لا تكون إلا للقرابة والقرابة مكتسبة بالعمل الشرعي وتبديل الصفات الردية وإن كانت العلوم الإلهية حاصلة عن كشف إلهي لكنه بسبب قرابة النبوة . ( فمن اللّه فاسمعوا * وإلى اللّه فارجعوا ) إخبار في صورة الإنشاء عن إفناء وجوده في اللّه بالكلية في إبراز الكتاب بحيث لا يبقى من الوجود الكلي أثر ولو كان عدميا وإشارة إلى أنه قد وقع بعد تكميل النفس وقطع مراتبها يعني إذا سمعتم ألفاظا من لساني فاسمعوا فقد سمعتم من اللّه لا مني لفناء المنية فيه وإذا رجعتم في إدراك معانيه وكشف أسراره وحل مشكلاته باستمدادكم من روحانيتي فارجعوا فقد رجعتم إلى اللّه لا إليّ لفناء مرجعيتي فيه ففي أيّ شيء سمعتم ورجعتم فقد سمعتم من اللّه ورجعتم إليه فإني فان في اللّه بالكلية في إبراز هذا الكتاب فهذا اختصاص إلهي به دون سائر كتبه فعظموه واعلموا قدره بإدراك معانيه وكشف أسراره وتعليمه إلى طالبيه « فإذا ما سمعتم » ما زائدة لتأكيد العموم « ما أتيت به فعوا » أمر للطالبين يعني خذوه مني كما أخذت من رسول اللّه وانظروا ما فيه وأدركوا معانيه الكلية واحفظوا في قلوبكم وهو مرتبة علم اليقين ثم أمرهم بعد ذلك إلى درجة عين اليقين حتى لا يقنعوا به فقال : « ثم بالفهم » أي بسلطان القوي ثم لبعد الدرجتين في الفصل « فصلوا مجمل القول » يعني ثم أدركوا بالفهم تفصيلا من الأصول الكلية