مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

146

شرح فصوص الحكم

كناية عن العالم أي قام وجود العالم بوجود الحق ( ولذا ) أي ولأجل أن الحق هو الواحد القيوم الذي قام به وجود العالم ( قلت ) له ( يغتذي ) بنا من حيث ظهور أحكامه فينا وإخفاؤنا في وجوده ( فوجودي غذاؤه ) لقيام أحكامه وكمالاته بنا هذا إن كان الحق ظاهرا والعبد باطنا ( وبه ) أي بالحق ( نحن نحتذي ) أي نغتذي لقيام وجودي بوجوده هذا إن كان العبد ظاهرا والحق باطنا ( فيه منه ) جزاء ( أن نظرت بوجه ) شرط ( تعوذي ) متعلق لقوله فيه منه أي إن نظرت بوجه الوحدة يكون تعوذي بالحق من الحق فمعنى قوله تعالى : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بهذا الوجه أعوذ بالاسم الهادي من الاسم المضل فكان قول الرسول عليه السلام : « أعوذ بك منك » ناظرا إلى هذا الوجه فالأسماء كلها قبل وجودها في الخارج مكنونة مستورة في ذات الحق طالبة كلها الخروج إلى الأعيان كالنفس الإنساني فبحبس النفس الطالب الخروج يحصل الكرب للإنسان فإذا تنفس يزول كربه فجاز نسبة الكرب إلى المتنفس وإلى النفس قبل الخروج من جوف الإنسان فشبهت نسبة الأسماء إلى الحق بنسبة نفس الإنسان إلى الإنسان تسهيلا لفهم الطالبين فإنما يتنفس الإنسان لئلا يلزم الكرب فلو لم يعطي الحق ما طلبته الأسماء من إيجاد العالم لزم الكرب المحال على اللّه فإن كون الشيء على خلاف ما يقتضيه كرب له ومن جملة ما يقتضي ذاته تعالى أنه يعطي كل ذي حق حقه فكذلك لو لم يحصل ما طلبته الأسماء من اللّه من صور العالم لحصل للأسماء من اللّه كرب وهو ظلم منه تعالى عن ذلك علوا كبيرا ( ولهذا الكرب ) أي ولئلا يلزم هذا الكرب المحال ( تنفس ) أي أخرج الحق ما في باطنه إلى الظاهر بكلمة كن فيكون هو في الظاهر بعد كونه في الباطن فما كان في نفس الأمر إلا هذا ولا بد أن ينسب هذا النفس إلى يد من أيدي الأسماء ( فنسب النفس ) أي نسب الحق نفسه ( إلى الرحمن ) بلسان نبيه عليه السلام إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين فكانت الموجودات حاصلة من نفس الرحمن بل هي عين نفس الرحمن وإن نسب الحق النفس إلى الرحمن ( لأنه ) أي الحق ( رحم ) أي أعطى ( به ) أي بالاسم الرحمن ( ما طلبته النسب الإلهية ) التي هي الأسماء ( من إيجاد الصور العالم ) بيان لما ( التي قلنا هي ) أي صور العالم ( ظاهر الحق ) وإنما كان صور العالم ظاهر الحق ( إذ هو الظاهر ) لا غير ( وهو باطنها ) أي باطن العالم ( إذ هو الباطن ) لا غير ( وهو الأول إذ كان ) اللّه ( ولا هي ) أي وليس صور العالم موجودة معه ( وهو الآخر إذ كان عينها ) أي عين صورة العالم ( عند ظهورها ) أي عند وجود صور العالم في الخارج فإذا كان الأمر كذلك ( فالآخر عين الظاهر والباطن عين الأول ) وهو معنى قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لأنه بنفسه عليم ) وليس العالم سوى من حيث الأحدية وليس علمه بالأشياء إلا عين علمه بذاته وصفاته وأسمائه ( فلما أوجد ) الحق ( الصور ) أي صور العالم وهي الموجودات الخارجية ( في النفس ) أي في النفس الرحماني