مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
137
شرح فصوص الحكم
وكذلك هذا العبد المتجلي له بالقدرة ما من دابه من قوى نفسه إلا هو آخذ بناصيتها وتجليت له بأفعالي إذ الرجل في حق الحق عبارة عن كونه كل يوم هو في شأن كما أن إليه عبارة عن القدرة التامة ثم هداية الصراط المستقيم فلا يمشي إلا على الصراط المستقيم يعني ما يفعل هذا العبد فعلا إلا وقد رضي اللّه عنه ذلك الفعل . ثم شرع في ذكر ما هو المقصود بإيراد الحديث فقال : ( فذكر أن هويته هي عين الجوارح ) من وجه وهو وجه الأحدية مع أنه غيره من حيث الكثرة فقد نبه عليه بإرجاع الضمير إلى العبد فكان هذا الكلام جامعا بين التنزيه والتشبيه ( التي هي عين العبد ) من وجه وهو وجه الأحدية لأن العبد هو مجموع الأجزاء الاجتماعية والجزء لا يقال فيه غير الكلي وأما بحسب المتعين فيمتاز كل واحد منها عن الآخر وعن الكل ( فالهوية ) أي هو الحق ( واحدة والجوارح ) أي جوارح العبد ( مختلفة ولكل جارحة ) من جوارح العبد الذي هو من أهل اللّه علم من علوم الأذواق لأن من لم يكن من أهل اللّه لم يكن لجوارحه ( علم من علوم الأذواق يخصها ) أي يخص ذلك العلم الذوقي بتلك الجارحة المخصوصة حال كون تلك الجارحة ( من عين واحدة ) وهي عين العبد أو معناه أي يخص ذلك العلم حال كونه من عين واحدة هي حقيقة العلم التي هي حقيقة واحدة ففيه تنبيه على أن حقيقة العلم عين ذات الحق إذ ما يفيض الحق ذلك العلم إلا عن حقيقة العلم وهي العين الواحدة التي هي عين الحق فما يفيض إلا عن نفسه وأشار إلى ما نقول بقوله كالماء حقيقة واحدة ( تختلف ) هذه العين الواحدة ( باختلاف الجوارح ) فالعلم حقيقة واحدة والاختلاف إنما وقع بالأسباب الكثيرة المتخالفة فحقيقة العلم باقية على حالها من الواحدة كما أن الحق باقية على وحدته مع الاختلاف بالجوارح ( كالماء حقيقته حقيقة واحدة تختلف في الطعم باختلاف البقاع فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج وهو ماء في جميع الأحوال لا يتغير عن حقيقته وإن اختلفت طعومه ) فكذلك ذات الحق حقيقة واحدة وإن اختلفت الأشياء والجوارح والعلم حقيقة واحدة في كل حال وإن اختلفت أحكامه باختلاف أسبابه . ولما بين أنواع العلوم الذوقية وقواها أراد أن يبين أن هذه الحكمة بأيّ قوى تحصل فقال : ( وهذه الحكمة ) الأحدية ( من علم الأرجل ) أي نوع من العلوم الذوقية الحاصلة بالسلوك والرياضات والمجاهدات في صراط الحق فلا يمكن حصول هذا العلم بجارحة من جوارح إلا بالأرجل ( وهو ) أي علم الأرجل ( قوله تعالى ) ( في ) حق ( الأكل لمن ) متعلق بقوله تعالى : ( أقام كتبه ) وهو قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ أي لحصل لهم الفارضة من أرواحهم من غير كسب وسعي في السلوك ( مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) مقول القول وإنما كان هذه الحكمة من علم الأرجل من علوم الأذواق لا من غيره من الجوارح ( فإن الطريق الذي هو الصراط ) المستقيم ( هو ) أي ذلك