مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

135

شرح فصوص الحكم

« سبقت رحمتي على غضبي » « 1 » أي في حق كل شيء . والمراد من الغضب العذاب إذ لا يصح الغضب في حق الحق إلا بمعنى إنزال العذاب ( والمآل ) أي ومآل الغضب ( إلى الرحمة التي وسعت كل شيء وهي ) أي الرحمة ( السابقة ) الرحمة عند أهل اللّه على نوعين رحمة خالصة ورحمة ممتزجة بالعذاب ففي حق عصاة المؤمنين من أهل مآل الغضب إلى رحمة خالصة من شوب العذاب وذلك لا يكون إلا بإدخالهم الجنة في حق المشركين مآله إلى الرحمة الممتزجة بالعذاب وهذا لا يكون إلا بأن كانوا خالدين في النار فاعلم ذلك وفيه كلام ستسمع إن شاء اللّه في آخر الفص ( وكل ما سوى الحق دابة فإنه ) أي ما سوى الحق ذو روح ، لأنه مسح بالنص الإلهي وكل مسح ( ذو روح ) كله ماش على صراط ربه المستقيم ( وما ثمة ) أي ليس في العالم ( من يدب ) أي يمشي ويتحرك ( بنفسه ) لأنه مأخوذ بناصيته ( وإنما يندب بغيره ) الذي آخذ بناصيته فإذا كان العالم يدب بغيره ( فهو ) أي العالم ( إنما يدب بحكم التبعية للذي هو على الصراط المستقيم ) فكان مشى العالم على الصراط المستقيم لا بالأصالة بل بتبعيته لمن مشى على الصراط المستقيم فما مشى على الصراط المستقيم أصالة إلا رب العالمين الذي أخذ بناصيته لذلك قال : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ والمشي في حق الحق عبارة عن أفعاله وشؤونه وهو كل يوم في شأن والصراط المستقيم عبارة عن صدور أفعاله على موافقة حكمته وإنما كان الرب على الصراط المستقيم ( فإنه ) أي الشأن ( لا يكون ) الصراط ( صراطا إلا بالمشي عليه ) إذ الصراط عبارة عن المشي والمسافة هذا إن كان الخلق ظاهرا والحق باطنا فحينئذ الحكم للحق في وجود الخلق والخلق تابع للحق في حكمه ، وأما إذا كان الخلق باطنا والحق ظاهرا والحكم للخلق والحق تابع للخلق فيما يطلبه منه ففي هذا الوجه ما طلب العبد من الحق شيئا إلا وهو يعطيه وفي الوجه الأول ما حكم الحق على العبد بحكم إلا وهو تابع لحكمه فيما أمره به . ولما بين تبعية العالم للحق شرع في بيان عكسه بقوله : ( شعر : إذا دان ) إذا انقاد ( لك الخلق ) واتبعك ( فقد دان ) أي فقد أعطى ( لك الحق ) ما طلبته منه يعني أن اتباع الخلق لك يوجب اتباع الحق لك فإن اتباع الخلق لا يمكن يدون اتباع الحق لأن اتباع الخلق صورة اتباع الحق وأثره ولعدم وجود الخلق بدون الحق لعدم وجود فعل الخلق بدون فعله فالخلق على كل حال محتاج إلى الحق فدل اتباع الخلق إلى اتباع الحق فتستدل منه على اتباع الحق . ( فإن دان لك الحق * فقد لا يتبع لك الخلق )

--> ( 1 ) ورد بلفظ « سبقت رحمتي غضبي » ذكره بهذا اللفظ الحميدي في مسنده 1126 ، والترمذي في اتحاف السادة المتّقين 8 : 556 وابن أبي الدينار في كتاب حسن الظن 13 .