مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

124

شرح فصوص الحكم

مرادا وإلا لكان لهم علم بما رآه يوسف عليه السلام ولم يكن لهم علم بما رآه يوسف ( فلما لم يكن لهم علم بما رآه يوسف عليه السلام كان الإدراك من جهة يوسف في خزانة خياله ) لا من المرئي فإن إدراك ما في خزانة الخيال قد يكون من الرائي والمرئي معا كظهور جبرائيل للنبي فإن جبرائيل علم بما رآه محمد عليه السلام فكان الإدراك واقعا منهما بخلاف يوسف عليه السلام مع إخوته ( وعلم ذلك يعقوب ) عليه السلام أي عدم علمهم بما رآه يوسف عليه السلام ( حين قصها عليه ) أي حين قص الرؤيا على يعقوب ( ف قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ ) لئلا يطلعوا على رؤياك فإنهم لو اطلعوا رؤياك لعلموا تفوقك عليهم ( فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) أي فيحتالوا لإهلاكك حيلة ( ثم برأ بنيه عن ذلك الكيد وألحقه بالشيطان ) أي بعد إسناد ذلك الكيد إلى بنيه أسند إلى الشيطان لأن كيدهم بإغوائه وإضلاله ( وليس ) إلحاق الكيد بالشيطان ( إلا عين الكيد ) من يعقوب مع يوسف عليهما السلام لئلا يبقى عداوة إخوته في قلبه فإنه لما أسند الكيد إلى بنيه علم يوسف عليه السلام إن إخوته عدوّ له فوقع في قلب يوسف عليه السلام عداوة إخوته فعلم يعقوب عليه السلام ذلك من يوسف عليه السلام فألحق الكيد بالشيطان لدفع ذلك من يوسف عليه السلام ( فقال إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي ظاهر العداوة ) فعلم يوسف عليه السلام من ذلك أن إخوته ليسوا عدوّا له بل عدوّه الشيطان فكان هذا الكلام من يعقوب عليه السلام عين الكيد مع يوسف عليه السلام حتى لا يزول عن قلبه محبة الأخوة مع بقاء الاحتراز ، وهو قوله : لا تَقْصُصْ فمراد يعقوب عليه السلام إثبات محبتهم في قلبه مع حفظه يوسف عليه السلام عن كيدهم ، وإنما قال الحق الكيد مع أن الملحق العداوة لا الكيد لكون العداوة سببا للكيد فإلحاق العداوة إلحاقة ( ثم قال يوسف عليه السلام بعد ذلك ) أي بعد ظهور هذه الأشياء له ( في آخر الأمر ) وهو وقت لقائه إلى أبيه وخالته وإخوته ( هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا أي أظهرها في الحس بعد ما كانت في صورة الخيال ) فلم يعلم تأويل رؤياه إلا بعد وجودها في الحس ففرق بين الصورة الخيالية والحسية ولم يجعل الخيالية من المحسوسات والمحسوسات من الخيالية وليس الأمر كذلك بل كلها خيالية حسية ( فقال له النبي محمد ) عليه السلام أي للحس الذي لم يجعله يوسف عليه السلام من الخيال ( الناس نيام ) فجعله محمد عليه السلام من الخيال ( فكان قول يوسف ) عليه السلام في إدراك محمد عليه السلام ( قد جعلها ربي حقا بمنزلة من رأى في نومه أنه قد استيقظ من رؤيا رآها ثم عبرها ولم يعلم ) هذا الشخص ( أنه ) أي الشأن موجود ( في النوم ) قوله : ( عينه ) بالجر تأكيد للنوم ( ما برح ) أي ما زال عن النوم ( فإذا استيقظ يقول رأيت كذا ورأيت كأني استيقظت وأوّلتها بكذا هذا ) أي قول يوسف عليه السلام : قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ( مثل ذلك ) الشخص في كونه مناما في منام ( فانظر كم بين إدراك محمد عليه السلام وبين إدراك يوسف عليه السلام في آخر