مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

112

شرح فصوص الحكم

العذاب الخالص عن الرحمة على الأبد بالنص ( وإن دخلوا ) أي الأشقياء ( دار الشقاء فإنهم على لذة فيها ) أي في تلك الدار ( نعيم مباين ) خبر مبتدأ محذوف ( نعيم ) منصوب بمباين ( جنان الخلد فالأمر ) أي نعيم جنات الخلد ونعيم دار الشقاء ( واحد وبينهما ) أي بين النعيمين ( عند التجلي ) أي عند الظهور ( تباين ) لأن نعيم الجنان رحمة خالصة عن العذاب ونعيم دار الشقاء رحمة ممتزجة لا يخلو عن العذاب أصلا فكانا عند التحقيق واحدا داخلا في حدّ النعم ومتباينان عند التجلي فهذا هو معنى قوله فالأمر واحد بينهما عند التجلي تباين ( يسمى ) نعيم دار الشقاء ( عذابا من عذوبة طعمه ) أي لأجل عذوبة طعم هذا النعيم لأهله يعني كما أن العذاب الاصطلاحي متحقق في الكفار في دار جهنم كذلك العذاب اللغوي وهو اللذة متحقق فيهم فكانوا جامعين بينهما ومتحققين بهما على الأبد يدل على ذلك ( وذاك ) أي عذابهم ( له ) أي لنعيمهم ( كالقشر والقشر صائن ) أي حافظ للبه فلا يزال العذاب صائنا للبه وهو نعيمهم فلا يزال العذاب الاصطلاحي عنهم أبدا كما هو مذهب أهل السنة فإن المصنف قسم الرحمة إلى رحمة ممتزجة بالعذاب وإلى رحمة خالصة من العذاب ثم قال لا يكون هذه الرحمة في الدار الآخرة إلا لأهل الجنان ثم أثبت النعيم المباين لأهل الشقاء فالنعيم هو عين الرحمة عنده وعند سائر أهل اللّه فالنعيم منه نعيم خالص مختص بأهل الجنان ومنه نعيم ممتزج بالعذاب مختص بأهل جهنم وبعض الشارحين حمل كلامه على خلاف مراده وقال في شرح كلامه في هذه المسألة أن العذاب منقطع مطلقا عن الكفار ومن ذلك ظن بعض الناس السوء على الشيخ وعلى أهل اللّه الذي على طريقته في العلم باللّه تعالى وسنطلع حقيقة هذا المقام في آخر الفص الهوديّ إن شاء اللّه تعالى . فص حكمة روحية في كلمة يعقوبية « 1 » فص حكمة روحية أي العلوم التي تختص إدراكها بالروح في كلمة يعقوبية أي مودع في روح هذا النبي عليه السلام روحية بضم الراء أتم من فتحه فكان المراد هاهنا الضم لأن العلوم التي تذكر في هذا الفص كلها من إدراكات الروح ومن خواصه . ولما وصى يعقوب بنيه وقال : يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أراد أن يبين أن أسرار الدين الذي مودع علمه في روح يعقوب عليه السلام فقال : ( الدين دينان ) أي الدين يطلق عند أهل اللّه تعالى على معنيين أحدهما ( دين عند اللّه و ) دين عند ( من عرفه الحق

--> ( 1 ) يبحث هذا الفصّ في المعاني المختلفة لكلمة « دين » وما يتصل بها من معاني « الإسلام » و « الانقياد » و « الجزاء » و « العادة » وقد ربط ابن عربي بين هذه المعاني ومعنى الدين الذي يرتضيه ربطا بارعا محكما ووضح مفهومات هذه الألفاظ توضيحا دقيقا على طريقته الخاصة بحيث وصل في النهاية إلى الغاية التي ينشدها وهي أن « الدين » هو دين وحدة الوجود لا الدين الشرعي الذي جاءت به الرسل .