أحمد الفاروقي السرهندي

99

المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )

يمكن أن يقال لهذا السّير السّير في اللّه باعتبار أنّهم قالوا إنّ السّالك يتخلّق في هذا السّير بأخلاق اللّه وينتقل من خلق إلى خلق فإنّ للمظهر نصيبا من بعض أوصاف الظّاهر ولو في الجملة فكأنّه تحقّق السّير في أسماء اللّه تعالى هذا نهاية تحقيق هذا المقام وتصحيح هذا الكلام ولا يدرى ماذا كان حال صاحب المقام ؟ وأيّ شيء كان مراد المتكلّم من الكلام كلّ شخص يقول شيئا على مقدار فهمه ووجدانه يريد المتكلّم من كلامه معنى ويفهم السّامع من ذلك الكلام معنى آخر وهم يقولون للسّير الانفسيّ سيرا في اللّه من غير تكلّف ويسمّونه بقاء باللّه بلا تحاش ويزعمونه مقام الوصال والاتّصال وهذه الإطلاقات تثقل على الفقير جدّا ؛ فلا جرم يرتكب في توجيهها وتصحيحها التّمحّل والتّكلّف بعض ذلك التّمحّل مأخوذ من كلامهم وبعضه وارد من طريق الإفاضة والإلهام وفي السّير الآفاقيّ كأنّه حصلت التّخلية من الرّذائل وفي السّير الانفسيّ التّحلّي بالأخلاق الحميدة فإنّ التّخلية مناسبة لمقام الفناء والتّحلية مناسبة لمقام البقاء ولم يثبتوا لهذا السّير الانفسيّ نهاية وحكموا بعدم انقطاعه وإن تيسّر العمر الابديّ وقالوا : لا نهاية لشمائل المحبوب وأوصافه فلا يزال تتجلّى صفة من صفاته في مرآة السّالك المتخلّق ويظهر كمال من كمالاته فأين يكون الانقطاع ؟ وكيف تجوز النّهاية ؟ قالوا : ( شعر ) ولو سعت ذرّة في عمرها طلبا * * * * خيرا وشرّا تجد في نفسها اكتمانا وبهذا الفناء والبقاء اللّذين حصلا بالسّير الآفاقيّ والأنفسيّ يطلقون اسم الولاية ويرون نهاية الكمال إلى هنا فإن وقع السّير بعد ذلك فهو سير رجوعيّ عندهم الذي هو معبّر بالسّير عن اللّه باللّه وكذلك السّير الرّابع الذي قالوه سيرا في الأشياء باللّه يتعلّق بالنّزول أيضا وقرّروا هذين السّيرين لأجل التّكميل والإرشاد كما أنّ ذينك السّيرين لحصول نفس الولاية والكمال والإسترشاد . وقال جمع : إنّ سبعين ألف حجاب الذي ورد في الخبر : إنّ للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة يخرق في السّير الآفاقيّ فإنّه يخرق في كلّ لطيفة من اللّطائف السّبع عشرة آلاف حجاب فإذا بلغ ذلك السّير تمامه ارتفعت الحجب بتمامها وتحقّق السّالك بالسّير في اللّه وبلغ مقام الوصل هذا حاصل سير أرباب الولاية وسلوكهم ونسخة كمالهم وتكميلهم الجامعة وما ظهر لهذا الفقير بمحض فضل الحقّ سبحانه وكرمه في هذا الباب وما سلك هو فيه يحرّره إظهارا للنّعمة وشكرا على العطيّة فاعتبروا يا أولي الابصار ( اعلم ) أرشدك اللّه وهداك سواء الصّراط أنّ الحقّ سبحانه الذي هو منزّه عن الكيف والمثال والشّبه وما يقع في الخيال كما أنّه وراء الآفاق كذلك هو سبحانه وراء الأنفس أيضا فلا يكون لتسمية السّير الآفاقيّ بالسّير باللّه والسّير الانفسيّ بالسّير في اللّه معنى بل كلا السّيرين الآفاقيّ والأنفسيّ داخلان في السّير إلى اللّه والسّير في اللّه هو سير بعيد عن الآفاق والأنفس بمراحل ووراء ورائهما ( والعجب ) أنّهم قرّروا السّير في اللّه في السّير الانفسيّ وقالوا بعدم نهاية ذلك السّير ولم يجوّزوا انقطاعه في العمر الابديّ كما مرّ وحيث كانت الأنفس كالآفاق من جملة دائرة الإمكان فعلى هذا التّقدير لا يمكن قطع دائرة الإمكان فلا جرم