أحمد الفاروقي السرهندي
466
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
الغضب من الأولياء وكذلك هؤلاء الأكابر شركاء لسائر الناس في الاكل والشرب ومعاشرة الأهل والعيال ومؤانستهم فان التعلقات الشتي التي هي من لوازم البشرية لا تزول عن العوام والخواص قال اللّه سبحانه في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وقال الكفار الذين اقتصر نظرهم علي الظاهر ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فمن اقتصر نظره علي ظواهر أهل اللّه صار محروما وكان مصداق خسر الدنيا والآخرة واقتصار النظر علي الظاهر هذا هو الذي جعل أبا جهل وأبا لهب محرومين من دولة الاسلام ورماهما في الخسران الأبدي والسعيد هو الذي كف نظره عن ظواهر أهل اللّه ونفذت حدة نظره إلى أوصافهم الباطنية واقتصر عليها فهم كنيل مصر بلاء للمحجوبين وماء للمحبوبين والعجب أن الصفات البشرية تظهر من أهل اللّه علي حد لا يظهر مثلها من سائر الناس ووجهه أن الظلمة والكدورة يكون ظهورهما في محل طيب مصفي أشد وأزيد وان كانتا قليلتين بخلاف المحل غير المصفي فإنهما لا يظهران بتلك المثابة وان كانا أزيد ولكن ظلمة الصفات البشرية تسري في كلية العوام وتحيط بقوالبهم وقلوبهم وأرواحهم واما في الخواص فهي مقصورة علي القالب والنفس وفي أخص الخواص مقصور علي القالب فقط والنفس مبرأة عنه وأيضا ان هذه الظلمة في العوام موجبة للخسارة والنقصان وفي الخواص موجبة للنضارة والرجحان وظلمة الخواص هي التي تزيل ظلمة العوام وتورث التصفية لقلوبهم والتزكية لنفوسهم فلو لا هذه الظلمة لما كانت في الخواص مناسبة للعوام فيكون طريق الإفادة والاستفادة مسدودا وهذه الظلمة لا تمكث في الخواص كثيرا حتى تجعلهم مكدرين بل يظهر من وراها ندامة واستغفار يغسل ظلمات وكدورات اخر كثيرة ويورث الترقي وهذه الظلمة مفقودة في الملائكة ولهذا كان طريق الترقي مسدودا فيهم واطلاق اسم الظلمة عليها من قبيل المدح بما يشبه الذم والعوام كالانعام يعدون الصفات البشرية الصادرة من أهل اللّه كصفاتهم البشرية فيحرمون بهذا الاعتقاد بركاتهم وقياس الغائب علي الشاهد فاسد ولكل مقام خصوصية علي حدة ولكل محل لوازم مستقلة والسلام علي من اتبع الهدي والتزم متابعة المصطفى عليه وعلي آله الصلوات والتسليمات ( ومنها ) ان الانسان ما دام مبتلا بالعلم والمعرفة ومنقشا بنقوش السوي فهو حقير وعديم الاعتبار ونسيان السوي شرط هذه الطريقة والفناء فما عداه قدم أول فيه ومالم تطهر مرآة الباطن من صدأ الامكان ظهور آثار حضرة الوجوب فيها محال فان جمع العلوم الامكانية مع المعارف الوجوبية من قبيل الجمع بين الأضداد وههنا سؤال قوي وهو ان العارف إذا تشرفت بالفناء ورجع القهقري لتكميل الناقصين تعود اليه العلوم التي كانت زائلة عنه أولا فعلي هذا التقدير اجتمعت فيه العلوم الامكانية بالمعارف الوجوبية وأنت قلت بأنه جمع بين الضدين ( أجيب ) بان العارف الباقي باللّه طرأ عليه في هذا الوقت حكم البرزخية فكأنه برزخ بين الوجوب والامكان ومنصبغ بلون كل من هذين المقامين فأي اشكال علي هذه الصورة إذا اجتمعت فيه علوم كلا المقامين ومعارفهما فان محل اجتماع الضدين لم يبق واحدا بل صار كأنه متعدد فلا جمع ( ومنها ) ان العلوم الزائلة في مرتبة الفناء إذا رجعت بعد البقاء لا يلزم منها نقص في كمال العارف بل كماله في هذا الرجوع بل تكميله مربوط به فان العارف بعد البقاء متخلق باخلاق اللّه تعالي وعلم الأشياء في الواجب تعالي عين الكمال وضده موجب للنقص المحال فكذا حال العارف المتخلق باخلاق المولي المتعال والسر فيه ان العلم في الممكن يحصل