أحمد الفاروقي السرهندي
437
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
وتشرّف بدولة الصّحو وصار صاحب تميّز يعلم انّ ذلك الفناء كان نسيان الأشياء لا انعدام الأشياء فلو زال بسبب هذا النّسيان شئ فانّما هو التّعلّق بالأشياء الذي كان متمكّنا ومذموما لا نفس الأشياء فانّها قائمة على صرافتها ممتنع نفيها واعدامها ( ع ) سياهى از حبشي كي رود كه خود رنكست * فإذا حصل بفضل اللّه تعالى هذه الرّؤية والتّمييز زال ذلك التّسلّى وقعد مكانه الحزن والغمّ وعدم الاستراحة وتيقّن انّ وجوده مرضىّ لا يكون بسعيه واهتمامه معدوما وعلم انّ نقص الامكان وقصور الحدوث لا زمان له دائما والعجب انّ العارف كلّما يترقّى إلى فوق ويكون عروجاته أكثر يكون رؤية النّقص والقصور فيه أزيد ويكون عديم القرار والرّاحة وتشبه معاملة هذا العارف بقصّة تلميذ رسن تاب حيث قال لأستاذه على وجه التّعجّب كلّما يكون عملي أزيد اقع ابعد ولعلّه من ههنا قال عليه الصّلاة والسّلام كما ورد يا ليت ربّ محمّد لم يخلق محمّدا وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم " ما اوذى نبىّ مثل ما أوذيت " ويشبه ان يكون المراد بهذه الاذيّة رؤية النّقص والقصور الموجبة لكمال الحزن والغمّ فانّ سائر الاذيّة يمكن ان يقال انّها كانت في سائر الأنبياء أكثر فانّ نوحا عليه السّلام كان بين قومه تسعمائة وخمسين عاما ورأى منهم أنواع الاذيّة ونقل انّ قومه رموه حين دعاهم إلى الايمان بالأحجار حتّى سقط مغشيّا عليه من كثرة الأحجار كالأمطار فكان مستورا تحت الأحجار فلمّا افاق شرع إلى الدعوة وعامله قومه بالمعاملة السّابقة وهكذا إلى أن يبلغ الكتاب اجله ينبغي ان يعلم انّ رؤية النّقص والقصور هذه ليست هي من البعد بل هي القرب والحضور فانّ الكدورة القليلة في المحلّ النّورانىّ ترى في النّظر كثيرة والكدورة الكثيرة في المحلّ الظّلمانىّ ترى يسيرة وانّما قلت فيما سبق انّ مدار الامر في القرب والمعرفة على الفناء فانّ السّالك ما لم يفن عن نفسه ولم يخرج من الصّفات البشريّة والامكانيّة بالكلّيّة لا يصل إلى المطلوب فانّ اجتماعه مع المطلوب من قبيل اجتماع النّقيضين فانّ ثبوت العدم ضرورىّ في الامكان وفي الوجوب سلبه ضرورىّ وما لم يصل إلى المطلوب ماذا يدرك من كمالات المطلوب لا يدرك الشّيئ إلّا بما يضادّه ويغايره قضيّة مقرّرة عند أرباب المعقول الا ترى انّ الصّبىّ الذي لا يعرف لذّة الجماع إذا وصفت له لذّته ليقال انّه حلو لامر وهو يتوهّم حلاوته كحلاوة النّبات والعسل البتّة فانّه لا حلاوة في وجدانه غيرها وهذه اللّذّة ليست هي لذّته بل هي لذّة مجعولة ومخترعة باختراع وهم ذلك الصّبىّ وفي الحقيقة هي راجعة اليه لا إلى ذاك فالعارف كلّما يحكى من المطلوب من قبل نفسه بلا اعلام منه انّما يكون حاكيا من نفسه وإذا مدحه كان مادحا لنفسه قال عارف في هذا المقام يمكن ان يكون ضمير " بحمده " في قوله تعالى " وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ " راجعا إلى الشّىء يعنى لا يسبّح شئ ولا يقدّس ولا يمدح إلّا نفسه لهذا قال البسطامىّ " سبحانى " لإعادة التّسبيح اليه ونعم ما قيل بالفارسيّة المثنويّة اشعار ( ع ) اى شده هم در جمال خويشتن * * مى پرستى هم خيال خويشتن قسم خلقان زان جمال وزان كمال * * هست اكر برهم نهى مشت خيال